بيروت - لبنان

اخر الأخبار

23 كانون الأول 2025 12:00ص الروائي إلياس العطروني في (عروس الخضر) الشخصيات الأسطورية تتناسل

حجم الخط
تفتتح مشاهد هذا العمل الروائي على منظر خراب ودمار.. منظر يجتاح عروس الخضر، اجتياح لألم والحزن لبيروت في حربها الأهلية.
يأخذك الروائي مع المشهد الأول إلى عالم وكأنه يهمس في أذنك: تعال معي وحلّق.. متناسيا الوحل الذي ينتابك، تعال معي إلى عالم اللامرئيات والغيبيات التي طالما شكّلت لديك هاجسا مع شخصية دكر شمس، الشخصية المحورية في هذه الحكاية. تتوقف مع ذلك الرجل الذي تسرّب من تحت الردم بعد أن لقى حتفه مع قذيفة سقطت بجانبه في تلك الحرب الأهلية، راح الرجل يتسرب من تحت الردم، خفيفاً كالأبخرة، ينسل من ذرات التراب الذي تكوم فجأة، ينسل باتجاه الضوء.. لم يسبق أن تخيّل هذا، شاهدهم يموتون ويعرف كيف يحصل ذلك، لكنه الآن وفي هذه اللحظات بالذات كأنه يحيا.. حالة انتقال طيفه من حال إلى تدفع به إلى الأعلى.. ينجذب بقوة هائلة لا يملكها إلى خارج ما يكبّله [...] وكأنّ الكاتب يلجأ في ذلك إلى توظيف اسطورة تموز الاله الذي مات ليحي بانبعاثه ما حوله. وخاطرة يتعالى صداها مع حكاية بيروت وعروس الخضر.. هل قصد الروائي بذلك الرمز الذي مثل الإله تموز.. بيروت وبحتمية انبعاثها للحياة مجدّداً من تحت الردم.
ما زالت الشخصيات الأسطورية تتناسل بانتقالية تزرع المناخات الروائية بغموض آسر وبعبارات توصيفية تبقي المتلقّي حاضراً بكل أحاسيسه وقد لفّه من الشفافية.. ماضياً مع دكر شمس في رحلته عبر الوجود، بعد موته ومع شيخ البحر تتسع عوالم هذه الأسطورة وإلى ذلك، فإذا كانت الأسطورة في تاريخ كينونتها قد انبعثت من خيال ديني ميثولوجي خرافي.. ذا طابع غربي إلى حد ما، فها هو الكاتب مع رمز شخصية شيخ البحر ومع التقاء دكر شمس به يلج عوالم رموز وأساطير الأدب العربي بكل مقوماته. فشيخ البحر في عروس الخضر بخلاف رجل البحر العجوز الوحشي الذي واجهه سندباد البحار في رحلته الخامسة.. فشيخ بحر دكر شمس هو ذلك الشيخ الذي ساعده للانتقال من طيف إلى جسد مع تلك القلادة التي منحه إيّاها في أول مرحلة من مراحل وجوده كجسد وروح.. قدرك أن تكون شاهدا إحدى ولاداتي، سأهديك قلادتي، ستحتاج إليها إن لمستها يدك دلتك على الصدق بضوء أبيض لا يراه غيرك [...] وكأن الكاتب يستعيض بشخصية علاء الدين وفانوسه السحري بدكر شمس وشيخ البحر وقلادته.
كذلك فقد استطاع الروائي من خلال ابداعات الفكر والخيال توظيف شخصية دكر شمس كرمز لأداء دور آخر.. وذلك بعد التقائه بشخصية عارف المناضل الذي يمثل إحدى الشخصيات الفاعلة في تلك الحرب اللبنانية، هزّ عارف رأسه مع ابتسامة غامضة وقال: اسمك غريب، وكان ينظر في وجه دكر شمس.. وحدة وطنية، هل لاحظت أنه يجمع في حروفه الستة الحروف الأولى لأسماء طوائف لبنان الست الكبرى؟ دروز، كاثوليك، روم، شيعة، موارنة، سنّة.. [...] وأيضاً هناك رمز آخر.. القط الرمادي الذي تذكره دكر شمس يوم أدخلته أمه، وكان لا يقبل الطعام إلّا سراً، وفسرت أمه ذلك بأنه مستغرب عين اكتشافه أنّ متعة أخذ الأشياء هي غير متعة تقبلها... الثوري غير الشحاذ. الطعام هنا يتحول إلى حرية أو استقلال، إلى قضية تحرير أو حكم ذاتي، يلتحم بجامع مشترك مع التلصص والطعام.. ممتعة مثلهما [...] وكذلك رمزاً آخر يقفز بإلحاح مع منظر الكلاب التي حضرت بصمت، تقفل صفارات انذارها حين تشاء وتفتحها حين تشاء. تلك حرية أيضا مثل التلصص وبعض النضال [...] فتلك الكلاب، وعندما لاحظت حركة يد الشاب ووصولها إلى الحجر، فراحت تراقبه بذات البله.. وعندما هبّ واقفاً حركة توحي بتوجيه الحجر إليها، كان ذلك كافياً لتتوارى مع أصوات شبيهة بأصوات الخنوع «مثل بعض شعوب العالم الثالث. قال دكر شمس وهو ينظر إلى الشاب الذي بدا مستغرباً.. يكفي التهويل بالعصا للإحساس بألم يكون أحيانا أشدّ من الألم الفعلي [...].
جاء في جريدة «اللواء» تحت عنوان «موعد مع الأدب وروافده» بقلم طلال حرب... «قد يكون الموضوع في رواية «عروس الخضر» موضوعا خاصاً حول الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان، والتي تشرئب بعنقها من جديد لتثير حفيظة كل مواطن، وكل عائلة توّاقة إلى غد أفضل، إلّا أن الرواية تنهض مثالاً على الأدب المسؤول والمشغول بدقّة. قد تكون شخصيات الرواية نماذج أمثلة على ما هدّد لبنان، لكنها أيضا أمثلة على الأخطار التي تهدّده باستمرار. قد يكون الحدث في الرواي ة يتناسل من فاجعة إلى فاجعة، بالقسوة نفسها من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة، لكنه يعبّر بدقّة عن تلك الحرب التي تناسلت وتفتحت إلى أن انتهت فجأة بدون أن تنتهي.. والدليل على ذلك ما تشهده اليوم وما نشاهده وما نخاف أن نشاهده في الغد [...].

ضحى الخطيب