بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 كانون الثاني 2025 12:00ص الروائي السعودي عبد العزيز الصقعبي لـ«اللواء»: «الغيبوبة هذه تجعل من يُصاب بها لا يلحق بالركب.. يعيش الماضي، ولا يعي متغيّرات الزمان»

الروائي السعودي عبد العزيز الصقعبي الروائي السعودي عبد العزيز الصقعبي
حجم الخط
في قلب كل رواية، هناك عوالم خفية تنتظر أن تُكشف، وأفكار تتراقص بين الواقع والخيال، ما بين التوترات الداخلية والتساؤلات الوجودية. وفي رواية «بركات العالق في الخيال»، للكاتب عبد العزيز الصقعبي، تتشابك تلك العوالم لتروي قصة صراع مرير بين الذات والعالم، بين الحلم والواقع، بين ما نعيشه وما نتخيّله. هي رحلة داخل النفس البشرية التي تتأرجح بين الوعي واللاوعي، تلك الحالة التي يشعر فيها الإنسان بأنه عالق بين زمنين، بين حقيقة غير ملموسة وخيال يغرقه في تساؤلاته. من خلال شخصية «بركات»، يعكس الصقعبي صورة معقّدة للمجتمع المعاصر، حيث يجد الإنسان نفسه مشوّشاً وسط طبقات اجتماعية متباينة، يسير مع القطيع دون أن يتوقف ليفكر في هويته أو مكانه في هذا العالم. في هذه الرواية، تتشابك الخيوط الفلسفية مع الواقع المعيش لتصنع من كل صفحة مرآة تتأمل فيها الذات، محملة بالألم والبحث المستمر عن معنى الوجود. ومع الروائي السعودي عبد العزيز الصقعبي أجرينا هذا الحوار:
{ تتناول الرواية بشكل عميق مفهوم التشتت الداخلي والصراع بين الوعي واللاوعي، كيف ترى تأثير هذه الفكرة على فهم الإنسان لذاته في عصرنا الحديث؟
- كل إنسان يحمل في داخله كثير من المتناقضات، وعندها يكون الصراع بين الوعي واللا وعي، الحقيقة والخيال، الحلم والواقع، لذا يحتاج إلى مكاشفة ليعرف نفسه، من هو فعلاً.
في هذه الرواية «بركات العالق في الخيال» حرصت على أن أقوم بتعرية الإنسان من خلال مشاعره الداخلية، حين يجد نفسه في مكان من المفترض أن يكون لآخر وليس له، يحاول أن يتعايش معه، ولكن غالباً يصطدم بالواقع، أنت لست أنت، بل إنسان آخر، راجع حساباتك وتأكد من خلال علاقاتك بالبيئة التي تحيط بك، الزوجة، لأبناء، العمل، المكان، وهو مهم في الرواية، حتما ستشعر أنك إنسان آخر، لا علاقة له بكل ما حوله، ومن هنا يبدأ مشوار البحث عن الذات.
{ في الرواية، يبدو أن بطلها، «بركات»، يعيش في حالة شبه غيبوبة. هل تعتقد أن هذه الحالة تعكس أزمة جماعية أو نفسية يمكن أن يعاني منها الكثير من الناس في مجتمعاتنا اليوم؟ أم هي خاصة بالروائي بركات بطل روايتك؟
- هذا هو الواقع، ليس الإنسان فقط وتحديداً الشخصية الرئيسة في الرواية «بركات»، بل المجتمع، كانت هنالك شبه غيبوبة، كل واحد من أفراد المجتمع فاقد الإحساس بالحياة، يسعى مع القطيع دون أن يكون له رأي محدد، يرى الفساد حوله، ويصمت، كل ما يقدر عليه أن يبتعد، كان هنالك صوت واحد، متطرف، وكان هنالك قطيع يتبعه، هذا هو الواقع، لم يكن هنالك رؤية كما هي الحال الآن، وهنا أتحدث عن السعودية بلدي، الغيبوبة هذه تجعل من يصاب بها لا يلحق بالركب، يعيش الماضي، ولا يعي متغيّرات الزمان.
{ تُظهر الرواية تداخلاً بين الخيال والواقع. كيف استطعت التلاعب بالحدود بينهما لتخلق هذه الحالة من التشوّش، وهل كان هذا تحدّياً في الكتابة؟
- بكل تأكيد، حاولت أن أمارس لعبة «الفنتازيا» في الكتابة، وأنا هاجسي دائماً في كتاباتي الأنا والآخر، لذا تساءلت لماذا لا يكون الآخر هو أنا ولكن بصورة مختلفة، لذا فبدأت ببركات الذي يجلس في غرفة انتظار لإجراء مقابلة شخصية للحصول على وظيفة لا يعرف بالضبط ماهي، ولكن يرى أنه يحتاجها، ليتحوّل بركات إلى مسؤول كبير، هو هو لم يتغيّر، ولكن سياق الحدث جعله ينتقل إلى مركز أكبر و مختلف كأنها لعبة الثعبان والسلم، ولكن التحوّل خارجي، أما عن داخله فلم يتغيّر، هنا كانت المفارقة، بين ما يراه ويمارسه، والواقع الذي من المفترض أن يكون عليه.
التحوّلات بين ثلاث شخصيات، تجربة كتابية مهمة، ومتعبة، أنا لا أسرد أحداث، بل أرصد متغيّرات، وكل واحد من بركات الثلاثة يختلف عن الآخر، ولكن في الوقت ذاته متشابهون، الأمر الآخر توظيف جميع الشخصيات في الرواية، لا يوجد من هو خارج السياق، حتى ذلك الرجل الذي ناقش الكاتب حول الخلل الموجود في الكتابة التي من المفترض أن تكون سيرة ذاتية، الأشخاص الموجودون في غرفة الانتظار والذين تلاشوا بعد انتهاء مهمتهم، كل قام بدوره.
{ صورة «التوأم السيامي» التي استخدمتها في الرواية تبدو رمزية وعميقة. هل يمكن أن تشرح لنا ما الذي تعنيه هذه الصورة بالنسبة لك، وكيف تنعكس على شخصية «بركات»؟
- كما قلت في داخل كثير من المتناقضات، فهو يحب ويكره في وقت واحد، يعرف ولا يعرف، يعيش الواقع والخيال، وهنا الصراع، حين يجد أن هنالك صعوبة في الفصل بين هذه المتناقضات التي تحتل جسده، لا يستطيع أن يبعدها عن بعض، بالذات إذا كانت العلاقات مشوشة ويحيطها كثير من الغموض، والوصول إلى قرار صعب، مأزق القرار هذا يحتاج إلى عملية أشبه بعمليات فصل التوائم السيامية الملتصقة بأماكن محددة بالجسد، فالبطل في الرواية شعر أن هنالك أكثر من شخصية في داخلة، بالذات حين علق في الخيال، و أثرت عليه الشخصيات التي يتعايش معها، فجعلته يعيش الخيال و يتواصل معه، لن أجنح للحديث عن الحالة النفسية وأقول أن هنالك شيء يشبه الفصام، لأن مريض الفصام يسمع أصواتاً ويتخيل شخوص، ولكن البطل، عائش في خيال كتاباته، فيتخيل شخصياته وهي تتواصل معه، كأنها حقيقة، وهنا يكون الإحساس، بوجود أكثر من شخص في داخله ويسعى لفصلها  عن بعض، ربما يجد شخصيته الحقيقية.
{ الرواية تحمل عناصر فلسفية عميقة عن الهوية والطبقات الاجتماعية. كيف ترى العلاقة بين الأدب والفلسفة؟ هل كان لديك تأثير فلسفي معين أثناء الكتابة؟
- لا يمكن فصل الفلسفة عن الأدب، حيث نرى استشهادات أكثر الفلاسفة بالتراث الإبداعي الأدبي، لابد أن هنالك تأثير، ربما الآن لا أستطيع أن أحدده بالضبط، ولكن لنقف مثلاً عند الطبقات الاجتماعية، وهذه واضحة تماماً في الرواية، والكتابة عنها تحتاج لمساحات كبيرة، أنا طرحت طبقتين من المجتمع مقترنتين بحييين من أحياء مدينة الرياض، أحدها للطبقات الاجتماعية المتوسطة، والآخر للمترفين أو الطبقات الثرية، ثمة اختلاف بينهما، في كل شيء، وثمة تشابه، مثال بسيط من الرواية، الابن في الطبقة المتوسطة يتأثر بالمد الديني، وبيئته توجهه ليخفق إلى حدّ ما في دراسته، و يصل لمرحلة قرار الجهاد، بينما الابن في الطبقة الثرية يعيش بعيداً عن كل تلك المؤثرات، غالباً هو بعيد عن أيضاً الوطن لدراسته بالخارج، وربما لم يسمع أو يعرف أولئك المؤثرين في زمن الصحوة، الأمثلة كثيرة، والحديث كما قلت يطول.
{ ما الذي ألهمك لكتابة رواية «بركات»؟ هل كان هناك حدث معين أو فكرة فلسفية كانت المحرك الرئيسي لهذه القصة؟
- كل رواية أكتبها تمثل تجربة كتابية جديدة، كنت أفكر بممارسة شيء من « اللامعقول» في الكتابة، وهنا انطلقت الفكرة بالتضاد، أنت الغني والفقير، أنت من تبحث عن عمل وفي الوقت ذاته أنت صاحب العمل، أمر آخر وهو متعة الخروج من المأزق، من خلال الحادث والغيبوبة، ومن ثم مناقشة ما حدث، رواية تناقش مضمونها، هي تجربة جميلة، أردت فيها أن أتخيل نفسي حين أكتب سيرة ذاتية، وأشكل نفسي عبر شخصيتين ربما لا تشبهاني، إحداها غني والآخر متوسط الحال، مدير وموظف، رجل متنفذ، وآخر بسيط لا يملك القرار، وأصل في النهاية إلى قرار أنها تجربة فاشلة لتوضع في سلة المهملات.