تنبع أهميه الحوار مع الروائي «عمرو العامري» الذي يذهب بنا إلى تخوم الأسئلة الأولى وهي علاقة اللغة بالصدمة، موقع البيت في الذاكرة، وحضور الألم بوصفه مادة خاماً لإعادة تشكيل الذات. تساؤلات تطرح نفسها من خلال هذا الحوار وهي هل اللغة الاستفزازية تهزّ المجتمع أم تعرّيه؟ هل يتسع القارئ العربي للصدمة أم يضيق بها؟ ما الذي يجعل البيت ملاذاً مرة وجرحاً مرة أخرى؟ وهل يمكن للإنسان أن يتحرر من الذاكرة أم أنه يظل أسير دوائرها؟
من خلال هذا الحوار نتعرّف إلى رؤية الكاتب حول دور الأدب، وحدود تأثيره، وطبيعة الشخصيات التي يخلقها، إضافة إلى مكانة الذاكرة في الكتابة، وكيف يواجه الإنسان ما علق منها في داخله. كما نتوقف عند ملامح الروايات التي أصدرها، ونظرته إلى الكتابة في زمن الذكاء الاصطناعي ومع الروائي السعودي عمرو العامري أجريت هذا الحوار:
{ في رأيك، هل يمكن للغة الاستفزازية أن تطهّر المجتمع، أم أنها تكتفي بفضحه؟
- بعيداً عن لغة الرواية تحديداً، أرى أنّ المجتمع يحتاج دائماً إلى لغة غير محايدة، لغة صادمة، مستفزّة، فاضحة، لتُحدث الأثر المطلوب. أقول هذا على مستوى اللغة لا على مستوى الرواية، فالمروِيّ لا يحمل مهمة معالجة أمراض المجتمع ولا تقديم حلول لها. دوره - إنْ وُجد - هو الكشف والعرض، ولكن داخل إطار فني وجمالي. الراوي ليس نبياً ولا حاملاً لمشعل التطهر؛ هو مجرد شخص يمتلك قدرة على الرصد وإعادة الصياغة وربما جزءاً من الرؤية. وفي النهاية، لا يختلف الأمر كثيراً سواء اختار لغة صادمة أو مباشرة أو مراوغة.
{ كيف ترى علاقة القارئ العربي بالصدمة؟ هل يتقبّلها أم يدافع ضدها؟
- لا يمكن أن نتحدث عن قارئ عربي واحد؛ فالعوالم العربية متعدّدة، والتعامل معها ككيان واحد ضربٌ من الطوباوية. إنسان نواكشوط مثلاً أقرب إلى الفضاء الإفريقي منه إلى العربي بالمعنى الثقافي (البارادايم)، وذائقته تختلف عن قارئ أربيل أو صنعاء أو بيروت. وبصفة عامة، الإنسان العربي - لأسباب ثقافية وربما دينية - إنسان سكوني، قدري، مُؤدلج، ينزع إلى رفض كل ما قد يصدمه أو يفضحه أو يجرّه إلى المواجهة. الاستثناء قليل من النخب، وهذه النخب نفسها تتنازعها توجهات إقليمية وثقافية مختلفة.
برأيي، على الكاتب ألّا ينتظر قارئاً مفترضاً، بل أن يكون هو من يعلّق الجرس، حتى لو واجه الرفض. فالأعمال التي صنعت أثراً حقيقياً - منذ «في الشعر الجاهلي» إلى كتب المفكرين المؤثرين وحتى الرواية المعاصرة - هي تلك التي أثارت حراكاً وخلقت دوائر في ماء راكد. والغريب أن أغلب هؤلاء الكُتّاب انطلقوا من مناخات وفضاءات حرّة منحتهم إمكانية التفكير المختلف.
{ هل ترى البيت رمزاً للحماية أم موضع الجرح الأول؟ وكيف تعاملت مع هذه الثنائية في الحكاية؟
- سؤال جميل، وأخشى أنني لا أملك له جواباً حاسماً. رغم أنني لا أحب تناول البيت في رواية «بيت أمي»، إلّا أنني قصدت به الملاذ والحماية، ولم أفكر فيه كجرح. لكن سؤالك يفتح أمامي أفقاً جديداً لتخيّل البيت كجرح: كيف، ولماذا، وبأي صفة؟ هذا يدخلنا في فضاء التأويلات النفسية الحديثة وربما الفلسفية أيضاً.
{ أيّ شخصية فاجأتك بعد الانتهاء من كتابة رواياتك؟
- لا أستطيع تسمية شخصية محددة. هذه الشخصيات أنا مَن خلقها ونفخ فيها الروح، ولا أسمح لها بأن تغادر نطاق أبوتي.
{ هل يمكن للإنسان، في رأيك، أن يتحرر من ذاكرة البيت؟ وإن كانت الذاكرة تعيد إنتاج الألم، فلماذا نعود إليها في الكتابة؟
- لماذا نعود إلى ذاكرة الألم كتابةً؟ تقول الكاتبة التشيلية مارسليا سيزانو: «للألم ذاكرة تعيده دائماً إلى مكانه الأول». ولعلّ هناك دائماً ما يدفعنا للعودة إلى فضاءات البيت والطفولة والذاكرة؛ ربما لمحاولة إصلاح العطب - رغم الاستحالة - أو محاولة التحرّر عبر إعادة بعث الألم، أو ربما هو الحنين، النوستالجيا، التي تعيدنا كل مرة. أما سؤال التحرر من ذاكرة البيت، فلا أظن ذلك ممكناً، إلّا إذا تحرّرنا من الحنين إلى الرحم الأول والأمان الأول. فالبيت، والطفولة الأولى تحديداً، هما ما يشكّلان مسارات حياتنا اللاحقة.
{ هل كتاباتك أقرب إلى الاعتراف أم إلى التفكيك؟
- كل كتابة تحمل شكلاْ من الاعتراف أو حتى الانتقام من أشياء لم تسر كما نشتهي. ولأكون موضوعياً، كتاباتي أقرب إلى الاعتراف، رغم أن هذا الوصف ليس دقيقاً تماماً.
{ هل روايتك القادمة ستكون شكلاً جديداً في زمن الذكاء الاصطناعي، أم امتداداً لمسارك السابق؟
- منذ «بيت أمي» أصدرت روايتيْ «غربة الشيح» و«طريق الحاج»، وكلتاهما تنطلقان من المكان بوصفه بطلاً أساسياً. أمّا عن زمن الذكاء الاصطناعي، فأظنّه لن يزيدنا إلّا اغتراباً وعزلة، نحن أبناء الزمن القديم، الذين لا نملك إلّا الحد الأدنى من المعرفة به.