بيروت - لبنان

اخر الأخبار

30 تشرين الأول 2025 12:00ص الروائي مصطفى موسى لـ«اللواء»: «الموت وليس الحياة هو اللغز النهائي، حيث ثمّة لحظات لا مرئية فيه»

حجم الخط
يتسلل إلى قارئ رواية «نداء القرنفل» للروائي مصطفى موسى ذلك الإحساس بأن الحياة ليست مركز الرواية، بل هشاشتها، وارتباكها، والمناطق المعتمة التي تنشأ في ظلها. إذ يقدم شخصية «سامية» ككائن يتجاوز الثنائيات؛ أنثى تقاوم بالسكوت، وتُحب بالفعل، وتصمد لا لأنها قوية بالمعنى الدارج، بل لأنها واعية بمكانها في العالم. سامية لا تنتمي لنساء محفوظ المعلقات بين الانحراف والتبرير، ولا لبطلات يوسف إدريس اللاتي يحاربن باللحم والعظم، بل تمثل طوراً جديداً من الكتابة عن المرأة: المرأة كحقيقة مضمرة، كثابت نفسيّ في واقع يضطرب. لن أقدم نقداً هنا ولكن الأدوات الجمالية والفكرية متعددة إذ يُنتج مصطفى موسى رواية تتجاوز الموضوع إلى صياغة وعي جديد بالكتابة والسرد والشخصية، ويعلن، دون أن يقولها صراحة، أن الرواية لم تعد بحثاً عن إجابة، بل تجريباً دائماً في الأسئلة الأكثر غموضاً وهي الرغبة، الأمومة، الموت، والشر الكامن في تفاصيل العيش المشترك. ومع الروائي مصطفى موسى هذا الحوار:
{ هل كنت تقصد تقديم شخصية سامية كنموذج لأنثى بديلة عن الأنثى الخاضعة التقليدية في الرواية العربية؟ وما موقعها من نساء محفوظ ة وادريس؟
- سامية شخصية طازجة في كل شيء، بداية من حرف الكاحل حتى حرف الأذن، تدرك ألاعيب المساومة، فهى امرأة شحيحة الكلام، لكنها تفعل بقدر ما تملك من أمومة، تعيش واقعاً متغيّراً، أدركت أنها تمتلك أدوات الرد على معاناة الحياة، فأرادت أن تكون مرئية وفي نفس الوقت أرادت لأولادها حق المعيشة الكريمة، مما خلق مساحة مرتبكة من التعاطف والكراهية، وخارج إطار الأنثى الخانعة التقليدية التي يتأرجح دورها بين الضحية والجانية لزوج سيئ، كانت سامية نقطة ثبات لزوجها جابر الرفاعي، مُحبة حتى النهاية ولو كانت البدايات خاطئة، ولا يمكن لومها، بل سنجد مبررات لأفعالها في فترة انتقالية ما بين هامش الحياة ومتنها.
تختلف سامية عن نساء نجيب محفوظ الممتلئات بانحرافات متعددة ومتباينة، فتأويل شخصيات مثل إحسان شحاتة في القاهرة الجديدة، أو حميدة في زقاق المدق أو حتى رباب في السراب، تعلن انتسابهن إلى ما يشبه الأختيار المرير، اختبار يعتمد كلياً في وقوعه على إرادة أناس آخرين، وتختلف سامية أيضا عن نساء يوسف إدريس المحاربات في الصراع مع المجتمع أو العنف أو الاغتصاب أو حتى الصمود وقدرة التحمل، فالمحرك الأساسي لسامية هي غريزة الأمومة ومحبة الزوج الذي وجد نفسه فجأة في عالم ذي براح مقلق، فكانت هي نقطة ثباته في مدينة القاهرة لكل شيء بشكل فوضوي في تلك الفترة.
{ مشهد كرم وعالية من أكثر المشاهد صدمة، ما الذي أردت قوله من خلال ابتسامة الطفل المنتصب تحت تهديد السكين؟
- أردت أن يدرك المتلقي منذ البداية اضطراباً في شخصية كرم، أن يستشعر وفقاً لطريقة تعامله مع النص تلك النظرة الغامضة التي تفضح وميضاً للفضول والجنون، ابتسامة كاشفة لأعماق سلوك مشوّه، فشخصية كرم جافة، تتعامل مع الرغبات الجنسية بواقعية شديدة التطرف، واقعية خالية من الشعور بالذنب، ربما تنكشف الأمور في نهاية الجزء الأخير من الرواية، لكن المؤكد والمقصود هو أن خصاله رفضت الترويض.
{ هل ترى الانتهاك الجسدي يبدأ داخل الأسرة المحمية؟ وهل يمكن للشر أن يتشكّل بكل هذا الهدوء واللامبالاة؟
- للإنتهاك الجسدي بدايات متعددة داخل الأسرة وخارجها، لكن الأذى المستمر هو تلك التسوية المؤقته العابرة للفعل ذاته، كأنها فترة من فترات الخلل، لا يستقيم معها منطق الحياة المتوارث من اخفاء أو تجاهل في التعامل مع هذا الانحراف.
الشر دائماً يتشكّل بهدوء، يتلكأ، تعقيداته مرضية متراكمة، يأخذ وقته للنضج، وسط بيئة تسود فيها رغبات غير متلائمة، ما بين الحب والكراهية، والشهوة والعنف، واليأس والأمل، صفات متعسّفة يغذّيها الكبت أحياناً، أو التهيؤات الشخصية المرتبطة بذاكرة جريحة، يتطور من هاجس أو فكرة أو خيال في عقل ناقص، إلى أيديولوجية ونمط حياة بها من الجنون وروح المغامرة الكثير، فأصحاب الخطايا لا يعاندون رغباتهم الدفينة، ولا يخجلون من إظهارها، فتلك الرغبات بالنسبة لهم ضرورية مثل الوظائف الطبيعية.. مقززة أحياناً لكنها ضرورية، لذلك فهم يرون أنفسهم أكثر اتساقاً مع الحياة، وأكثر صدقاً، كأن الشر فيهم يمنحهم الثقة بالذات وأنهم وحدهم دون الاخرين على صواب، درجة انهم يسخرون من الطيبين.
{ لماذا اخترت أن تبدأ الرواية بطقس الموت؟
- الموت وليس الحياة هو اللغز النهائي، حيث ثمة لحظات لا مرئية فيه، يروي الفضول فيبدو أشد إغراء ليكون موضوعاً للحكايات، بالطبع لا توجد إجابة يقينية لأن الموت أكثر تعقيداً، فهو المتمّم للحياة، وليس صمتاً عاطلاً، إنه طاقة تملأ الفراغ الساكن ما بين ميلاد ووداع، لحظة مقدّسة لا يمكن انكارها ولا تتساوى مع أي مقدّس دنيوي أو مجتمعي أخر يمكن أن يتأكل أو يتغيّر، فيه ما هو لا نهائي ومطلق، معّلق بين الأنفاس، وبالرغم من ذلك تعامل معه الحاضرون من أهل القرية في غسل جثة الشيخ بحبح باستخفاف ونزق، وهو حال من استهلكتهم الحياة، فاتخذوا مظهر اللامبالاة والعمى الوجداني والروحي، فالشيخ بحبح سيبقى ميتاً إلى الأبد، لكنهم يجب أن يواصلوا الحياة، فلا شيء ساكن، الكل يتحرك، والحركة إثبات لمرور الزمن تجاه الموت.