بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 آذار 2026 12:00ص السرد البصري المكتنز في لوحات جميل شفيق

حجم الخط
في لوحات الفنان المصري «جميل شفيق» نرى الإنسان كما هو في الحياة، بل كما يجب أن يُرى، مفعماً بالحنين، محاطاً بالرمز، ومحاطاً أيضاً بالغموض الهادئ. لا أسماء ولا وجوه مألوفة، بل كائنات تعبيرية تسكنها أرواحٌ أكثر مما تسكنها ملامح. كأن جميل شفيق كان ينحت ملامح الناس من داخلهم، من تجاربهم وأحلامهم وخوفهم الصامت. إذ تتألق لوحاته مع ثنائية الأبيض والأسود كما يشعر به جميل شفيق. فهو يعرف كيف يحوّل الصمت إلى حركة، والفراغ إلى امتلاء. اللونان عنده ليسا اختياراً شكلياً، بل موقفاً وجودياً. كل خط عنده يشبه النَفَس، وكل مساحة بيضاء هي فرصة للتأمل، لا للفراغ. كما أنه لم يتوقف عند اللوحة المسطحة، بل ذهب إلى النحت، مستخدماً بقايا البحر وما يلفظه من خشب «طرح البحر»، ليصنع منها أجساداً تذكّر بالنجاة، بالتيه، وبالعودة المحتملة.
ليس من المبالغة القول إن أعمال جميل شفيق تنتمي إلى سردٍ بصريٍّ من نوع خاص، سرد لا يعتمد على تعاقب الحدث، بل على تراكم الشعور، وتكثيف الرمز، وحمولة الذاكرة. لقد امتلك هذا الفنان القدرة على توليد الحكاية من السكون، والمعنى من الإيماءة، والدراما من أبسط الخطوط. لم يكن رساماً  للحكاية، بل صانعاً لـ«الأثر البصري» الذي يروي بدون كلمات، وبدون بداية أو نهاية. ففي كل لوحة من لوحات جميل شفيق، ثمة إحساس بأن شيئاً حدث، أو على وشك أن يحدث. وجه يحدّق، يد ممدودة، قارب صغير، سمكة تتأرجح، طير ساكن... علامات حكاية لا تُروى، بل تُستشعر. فهو لا يسرد وقائع، بل يكتنز زمناً نفسياً داخلياً، زمناً غير خطّي، يُحس ولا يُرى. اللوحة عنده ليست فصلًا من قصة، بل صورة كاملة لروح تحكي دون صوت.
يتجلى السرد البصري عند الفنان «جميل شفيق» في اختزال الشكل دون اختزال المعنى. خط واحد قد يكفي ليوحي بامرأة تحمل طفلاً، أو برجل يغالب الريح في قاربه. تُرسم التفاصيل بما يشبه القصيدة القصيرة: قليلة الكلمات، لكنها مشبعة بالدلالة، كأن كل لوحة عنده تقول: لا تحتاج الحكاية إلى كل تفاصيلها، بل إلى ما يجعلها تُحسّ من الداخل. احتفظ جميل شفيق بذاكرة المكان الشعبي والوجدان الجمعي، لكنه لم يستعمل رموزه كأيقونات جاهزة، بل حمّلها معنى جديداً، حداثيًاً، وشاعرياً. فالسمكة لم تكن سمكة، بل عمرٌ صغير يتقافز في الماء. والقارب لم يكن وسيلة، بل تجسيدٌ للقلق والتيه والبحث. المرأة لم تكن فقط جسداً أنثوياً، بل الاحتواء، والأرض، والصبر، والحياة. هكذا أصبح الرمز وسيلة سرد، شاهداً لا راوٍ، يُشير دون أن يشرح، ويترك المتلقي ليكمل الحكاية بنفسه. حتى منحوتاته من «طرح البحر»، كانت قطعاً من السرد المادي، جمّلها الزمن لا الفنان، لكن الفنان قرأها. هو لم ينحت الخشب، بل استخرج القصة المخبوءة فيه، كما لو أنه يعيد تدوين ما قاله البحر. هنا يصبح السرد البصري أكثر تعقيداً فالنص بصري تكتبه الطبيعة، ويعيد تشكيله الفنان، ويتلقّاه المتفرج مندهشاً.
في أعماله، الوجوه ليست ملامح، بل خرائط عاطفية. وجه بلا عينين، أو بعين واحدة، أو مائل للصمت ، كل وجه هو حكاية فُقد نصفها، أو لم تُكتمل بعد. هي وجوه من داخلنا، لا من الخارج، وجوه نحملها نحن دون أن نراها، فجاء فنه حكاية يضعها أمامنا. السرد البصري عند جميل شفيق هو سرد مكتنز لا مباشر، شاعري لا واقعي، غائم لا غامض، مغموس بالرمز لا بالحدث. لقد كان فناناً يروي لا بالخطاب، بل بالأثر والتلميح والفراغ والضوء. وهو ما يجعل كل عمل من أعماله، حكاية تُفتح في داخلنا كلما نظرنا إليها ولا تُقال مرة واحدة، بل نعيشها في كل تأمّل جديد.