حوار مع الكتّاب نافذة مهمّة لفهم الخلفيات الثقافية والمعرفية التي تشكّل أعمالهم الأدبية، وتكشف عن رؤاهم للعالم، وعلاقتهم بالهوية، واللغة، والمكان. في هذا الحوار مع الروائي الصدّيق حاج أحمد الزيواني، نستكشف التجربة الروائية الغنية لكاتب انشغل بقضايا ما بعد الاستعمار، وبتفاعلات الهويات في سياقات الغربة والمنفى والتعدّد الثقافي، من خلال أعماله الروائية أو بالأحرى روايته الأخيرة «الطانفا» يتناول الحوار محاور متعدّدة تتصل بعلاقة اللغة بالهوية، ودور الغربة في تشكيل الذات، وتداخل الأجناس الأدبية في العمل الروائي، إضافة إلى رؤية الكاتب لمكانة المرأة، وتوظيفه لثيمات التكنولوجيا والتراث، كما يكشف عن أثر القراءات الفكرية في تشكيل رؤيته الإبداعية. روايته «الطانفا»، نموذج مركزي لهذا النقاش، إذ تتقاطع فيها قضايا الانتماء والهوية والتاريخ مع سرديات الثقافة الشعبية والهمّ الإنساني العام، ضمن فضاء سردي مفتوح على التعدّد والتفاعل. ومع الروائي الصدّيق حاج أحمد الزيواني أجريت هذا الحوار:
{ هل يمكن للغة أن تُشكّل الجسر الذي يربط بين الهويات المتعددة؟
- طبعاً، اللغة هي اللسان، أو بمعنى آخر هي الهوية القولية والفعلية للإنسان. لذلك اعتبرها الكاتب الكيني نغوغي واثيونغو، الذي رحل قبل أيام، الرهان الأول في مقاومة الاستعمار وتصفيته. إنهم يريدون أن نضع لغاتنا وهوياتنا في المتاحف، ونلبس لغاتهم. فاللغة، كمكوّن هويّاتي، يمكنها أن تكون جسراً بين الهويات المتعددة. ففي رواية «كاماراد» أو «مَنّا» أو «الطانفا» الأخيرة، سوف يقف القارئ على انصهار وتفاعل للغات الإفريقية مع العربية. وهي الفكرة ذاتها التي دعا إليها المفكّر الكيني علي المزروعي، حين قال إن أقرب اللغات إلى اللغات الإفريقية هي العربية.
{ الرواية تتناول فكرة الغربة، سواء كانت جغرافية أو لغوية. كيف ترى تأثير التجربة الحياتية والجامعية على تشكيل الهوية الشخصية؟
- في كل رواياتي، عدا التجربة الأولى، ظلّ البطل يعيش الاغتراب الجغرافي والهويّاتي. إن تفاعل الأنا مع الآخر ونغمات الهوية لا تظهر إلّا من خلال الترحال في المنافي الإرادية واللاإرادية. ففي رواية «كاماراد»، نجد البطل النيجيري مامادو ورفاقه يعيشون الاغتراب بين بلدان العبور العربية، كما هو الحال عند البطل الطارقي بادي ورفاقه في رواية «مَنّا»، واغترابهم سعياً وبحثاً عن وطن وردي يتماهى خلف سراب الصحراء. أما في الرواية الأخيرة (الطانفا)، فتبدو التجربة مختلفة، بحكم أن البطل بوغرارة تواتي، وإن عاش الاغتراب في إفريقيا، إلّا أنه لوحده، إذ انعدمت آصرة الرفقة التي ظلّت مرتبطة بالبطل في رواياتي السابقة.
ثمّة أمر آخر لافت في النص الأخير (الطانفا)، وهو أن رحلة البطل في «كاماراد» و«مَنّا» كانت من الجنوب نحو الشمال، بمعنى أن البطل الزنجي مامادو، بلغته الزرماوية الهوساوية، والبطل الطارقي بادي، بلغته التماشقية، ظلّت لغتهما تتفاعل داخل المجتمعات العربية المهاجر إليها، ما رصد تفاعل الأنا الإفريقية جنوب الصحراء مع الآخر العربي. أما في تجربة «الطانفا»، فالأمر مختلف تماماً، إذ تغدو الأنا عربية والآخر إفريقي، بكل ما تشكّله من تفاعلات ثقافية في رحلة العربي إلى إفريقيا جنوب الصحراء. ولم يظهر هذا من خلال البطل بوغرارة فقط، إنما من خلال التجار اللبنانيين والطلاب العرب القاصدين تلك الأدغال.
{ «الطانفا» تجمع بين السيرة الذاتية وأدب الرحلة واليوميات. هل كان هذا تداخلاً مقصوداً لتقديم صورة أكثر تعقيداً للذات؟
- قد تبدو كذلك.. لكنه في الحقيقة تخييلٌ خالص. فأنا شخصياً لم أكن يوماً تاجراً أو طالباً هناك. كل ما في الأمر أني سافرتُ إلى تلك المجتمعات الإفريقية جنوب الصحراء، فألهمتني ثقافاتها لأن أمتَح منها وأكتب نصوصاً متماهية تتناغم فيها الثقافة الجزائرية والعربية مع الثقافة الإفريقية جنوب الصحراء.
{ هل تعتبر «الطانفا» أكثر من مجرد قصة فردية؟ هل تراها توثيقاً لحالة الإنسان العربي الإفريقي في عالم سريع التغيير؟
- «الطانفا» نص مشبع بإنسانية الإنسان وتماهيه في الأشياء، إنها نص تتفاعل فيه ثقافة الإنسان الشمالي مع الجنوبي، وهو ما سمّيته بالثقافات المتجاورة أنثروبولوجياً. كما أنها جسّدت علاقة الإنسان الأبيض الشمالي بالأسود الجنوبي، وأن هذه العلاقة إنسانية، وهو ما نلمسه بين البطل التاجر بوغرارة وسائقه الإفريقي (بيغا)، حيث تطبعها علاقة التكامل والاستفادة المتبادلة بعيداً عن الاستغلال. فكما استفاد بوغرارة من السائق الإفريقي في سياقة شاحناته، استفاد بيغا من بوغرارة، عندما حكى له عديد الأخبار عن حضور الثقافة الجزائرية بإفريقيا، كجهود الإمام المغيلي في رُبوعهم وأدغالهم الإفريقية.
{ ذكرت في الرواية أنك قرأت لكتّاب مثل مالك بن نبي وواثيونغو. كيف أثر هؤلاء الكتّاب في تشكيل أسلوبك الروائي؟ وهل يمكننا القول إن «الطانفا» هي رمز لهوية مغتربة؟ وهل السرد في الرواية يعكس التوتر المستمر بين الانتماء الوطني والعالمي؟
- طبعاً، كل كاتب لا بد أن يتأثر بكتّاب، يذكر ذلك تلميحاً أو عرضاً. وقد وقع اختياري على ثلاثة كُتّاب: الأول مفكّر جزائري هو مالك بن نبي، الذي لم يُعطَ حقه؛ والثاني روائي جزائري هو عمي الطاهر وطار، الأب الروحي للرواية الجزائرية؛ والثالث إفريقي هو نغوغي واثيونغو، وقد رحل قبل أيام. وقد وجدت في هذه الشخصية شخصيةً مشاكِسة، متمرّدة على الاستعمار وتصفيته من الأذهان.