بيروت - لبنان

اخر الأخبار

30 كانون الثاني 2025 12:00ص العروبة وقضية فلسطين في فكر المؤرّخ الراحل حسان حلاق

حجم الخط
من الصعب الفصل بين حسان حلاق وبين العروبة التي شغلت بال راحلنا الكبير. وقد لا يخلو عن ذكرها من كتاب له أو من مقال ومقابلة ومؤتمر؛ وكذلك أبحاثه عن اللغة العربية والثقافة العربية، وعن التضامن العربي، وصولا إلى الدعوة إلى الوحدة العربية، هذا وإن كان أحبط من الأنظمة العربية التي تناست الوحدة لمصالحها الإقليمية. صحيح أن هناك فرقا بين العروبة والمشروع القومي العربي الوحدوي، إلّا أن حلاق يعتقد أن العروبة توصل إلى الوحدة العربية. ولهذا السبب، طرح نفسه خصما، بل عدوا، لكل من يترصّد العروبة أو ينتقص من قدرها. ويعتبر أن الفينيقية ذابت لتحلّ العروبة الثقافية محلّها بمفهومها الحديث. هذا الواقع العروبي الوحدوي، ساد برأيه، «في العهود الأموية والعباسية والفاطمية والمملوكية والعثمانية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى». وإن إعادة تقسيم المنطقة جاء بعد هزيمة العثمانيين في تلك الحرب.
لقد شغلت اهتمامات حسان حلاق الفترة التي سبقت سقوط الدولة العثمانية بقليل، وتقاسم دول الاستعمار ولاياتها العربية بموجب اتفاق سايكس-بيكو في العام 1916، ومقررات مؤتمر سان ريمو في العام 1920، تحت مسمّيات الانتداب وإنماء شعوب المنطقة وتثقيفهم على الحكم الرشيد. ويعتبر أن إلغاء نظام المتصرفية وإنشاء دولة لبنان الكبير هو عمل استعماري متعمّد قد يظنه البعض عملا توحيدا للمقاطعات اللبنانية. فالدول الأوروبية والدولة العثمانية هي التي أوجدت نظام المتصرفية، وفرنسا بالذات، هي التي عملت على إلغائها، وأوجدت دولة لبنان الكبير بديلا منها، لنزع عروبة المسيحيين عن لبنان ووحدته مع بلاد الشام. ومع أن العرب تموضعوا في ولايات منفصلة تحت الحكمين المملوكي والعثماني، رأى حلاق أن علاقاتهم بعضهم ببعض تجسّدت في تاريخ طويل من الثقافة العربية والوحدة والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية، وأعطى أمثلة على تداخل المقاطعات اللبنانية والولايات في فلسطين وحلب سورية.
ورأى الراحل حسان حلاق أن فرنسا وبريطانيا حاربتا العروبة بعدما عملتا على الإجهاز على الدولة العثمانية، كأهم ركن إسلامي وحدوي كبير للعرب. فتقاسمتا المشرق العربي، فيما دعمت الثانية مباشرة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وساعدت على قيام الدولة الصهيونية، وبالتالي دقت إسفينا عنصريا غريبا في قلب الوطن العربي، باقتلاع شعب فلسطين من أرضه وإحلال اليهود الأوروبيين محلهم. وبرأي خلاق، فقد جرى اختراق المنطقة التي كانت وحدة بشرية وجغرافية وثقافية، فضلا عن تاريخ مشترك وأجناس وأديان صهرتهم العروبة في بوتقة واحدة، وهم عرب قبل أن يكونوا أتباع أديان.
سوف يركّز المقال على عروبة لبنان وعروبة سورية وعروبة فلسطين عند البروفسور حلاق. صحيح أن لبنان وسورية لم يشكّلا معا كيانا سياسيا موحّدا تحت الحكم العثماني، بل تشاركا التاريخ والجغرافيا والجغرافية البشرية، والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، إلّا أن حلاق رأى أن فرنسا تقصّدت فصلهما عن بعضهما البعض بحدود وشعبين في دولتين، وإعطاء خصوصية مسيحية للبنان الكبير عن محيطه العروبي. فالحدود التي اصطنعها الاستعمار بعد الحرب العالمية الأولى وهمية لدول بلاد الشام المستقلة، وإن كانت تحت الانتداب.
ويستخدم حلاق مصطلح «اللبنانيين» للإشارة إلى الإجماع على عروبة لبنان، بالقول: «إن اللبنانيين لم يشعروا مرة، لا سيما في العهد العثماني وبداية الانتداب الفرنسي، بأنهم أمة منفصلة عن الأمة السورية، واستطردا عن الأمة العربية». ولهذا، قاطع المسلمون الإدارة في لبنان الكبير المنفصل عنها، واحتجوا على الغبن اللاحق بهم في العام 1932 بإبعاد الشيخ محمد الجسر عن رئاسة الجمهورية. ووفق كاظم الصلح، فقد دخلت الطائفية إلى العلاقات بين اللبنانيين: فأصبح المسلم هو من يدعو إلى الوحدة السورية، فيما اللبناني هو المسيحي. حتى أن رياض الصلح قال: «لولا الطائفية ما كان لبنان منفصلا عن سوريا». ورأى حلاق أن المسلمين أعلنوا في مؤتمر الساحل في العام 1936 بأنهم جزء من الكيان العربي. وقد حمل البيان الذي صدر عن المؤتمر دعوة إلى أبناء الأمة العربية، كدليل على هاجس الوحدة العربية لديهم. ولهذا السبب، أهدى حلاق كتابه «قضايا الأمة العربية، إلى كل لبناني وعربي يتطلع ويعمل من أجل نهضة ويقظة الأمة العربية».
وفي كتاباته عن المرحلة بين دولة لبنان الكبير واستقلال لبنان، ينتقد المؤرخ حلاق تنصّل موارنة من فكرة عروبة لبنان بعد إنشاء دولة لبنان الكبير، واعتباره «أرضا مسيحية»، ولأن العرب لم يسكنوا يوما في «لبنان المسيحي». وأشار إلى قول الزعيم الكتائبي بيار الجميل بأن الموارنة لا يريدون استبدال انتداب فرنسي بانتداب عربي. وبذلك أصبحت العروبة نقيضا للقومية اللبنانية عند مسيحيين موارنة. وكان بيار الجميل قد صرّح مطلع حرب لبنان بأن الموارنة ليسوا ضد العروبة الثقافية، بل ضد المشروع القومي العربي الوحدوي. لكن غالبية مسيحية مارونية اعتبرت أن لبنان ليس عربيا وان تكلم العربية، وهو جزء من الحضارة الغربية. من هنا، رأى حلاق أن ترويج للكتابة بالحرف اللاتيني كانت مؤامرة على المسلمين وعلى القرآن الكريم الذي أنزل عربيا.
وقد أشار حلاق إلى مذكرة البطريرك أنطون عريضة إلى الأمم المتحدة بأن «الأقليات المسيحية في الشرق ليست من العنصر العربي ولا صلة لها بالعروبة». ولفت إلى قول الفيلسوف كمال الحاج بأن عروبة لبنان تختصر كل المشكلات الاجتماعية السياسية في لبنان. وقوله إن القومية اللبنانية موجودة في لبنان بينما القومية العربية دخيلة غير موجودة. وقال الحاج: «لا وجود لقوميتين في دولة واحدة، ولا وجود لدولتين في قومية واحدة». ولم أعثر على رد لحلاق على اتهامات الأب بطرس ضو وغيره بأن العروبة هي الإسلام، علما أن شكيب أرسلان قال إن الإسلام هو وعاء العروبة، فيما قال عمر فروخ إن العروبة هي الإسلام والإسلام هو العروبة.
ويرتفع سقف هجومِ حلاق على المعادين لعروبة لبنان، لغة وثقافة ومستقبلا، فيقول، «إن اللغة العربية موجودة قبل الإسلام، وتعززت معه وأصبحت لغة القرآن. واللغة العربية والثقافة العربية الواحدة هما مطلبا شعبيا عربيا، لأن الثقافة الواحدة عامل مهم في ترسيخ الوعي العربي، وإن الوعي القومي يولد الإرادة العربية»، فيما اجتماع الفكر والثقافة العربيين معا، هو أساس صلب للوحدة القومية العربية. من هنا، رفض حلاق وجود تعدّد لغوي وثقافي على حساب اللغة العربية الأم، ليس بهدف الإغناء والتحديث، بل «بهدف التغريب والابتعاد عن الأصالة، وترك الذات العربية والدخول في عالم الثقافات الأجنبية المتعارضة للاقتباس عنها، بدون أن نعرف هويتنا الثقافية الحضارية، أو نسعى لتجديدها».
ويعتبر المؤرخ حلاق أن الثقافة العربية الموحّدة الجامعة هي التي توحّد الشعب وآرائه وتطلّعاته واتجاهه السياسي والاجتماعي. ويطالب بالقضاء على الثقافة الصهيونية والمتصهينة التي تسرّبت إلى المجتمع اللبناني خلال حرب لبنان، وبدلا من التعددية الثقافية، يطالب اللبنانيين بـ «الارتماء في أحضان الثقافة اللبنانية والعربية كضمانة وحيدة لاستقرار لبنان في محيطه وبين أشقائه».
ويهاجم حلاق الانتداب الفرنسي وحكومة حبيب باشا السعد لإقدام الأخيرة في العام 1928 على جعل للهجة اللبنانية العامية لغة رسمية لطلاب البكالوريا الرسمية، بدلا من اللغة العربية، ويعزو ذلك إلى «اتجاهات طائفية وتعصبية». ويرى أن «العربية هي أعرق وأجمل وأثرى اللغات في العالم». في المقابل، امتدح البروفسور حلاق فعاليات مسيحية مؤيدة للوحدة العربية والوحدة السورية، وأشار إلى الصحافي جبران تويني الذي دافع عن العروبة في العام 1929 بالقول: «إلى المتفرنجين نحن عرب قبل أن نكون مسيحيين ومسلمين». وقد هاجم تويني الذين يزعمون أن لبنان بلد غير عربي وأن «حضارته نصرانية». ونقل حلاق عن صلاح لبكي، أحد كبار الحزب القومي السوري الاجتماعي، قوله: «إن لبنان... هو قطعة من سوريا... وشباب لبنان لا يرضون أن ينفصلوا اليوم عن أمّهم». ويخلص حلاق عند حديثه عن المرسومين 49 و50 في العام 1943، إلى القول: «لبنان الحالي في الواقع، هو مخلوق اصطناعي أوجدته السلطة المنتدبة الفرنسية». هذا الموقف الصريح الرافض للبنان الكبير، استمر هاجسه حتى قبيل وفاته، عندما كتب مقالا صارخا في صحيفة «النهار» بمناسبة التحضير الرسمي لمئويته الأولى بعنوان: «لا للاحتفال بدولة لبنان الكبير عام 1920. نعم للاحتفال بالقرار اللبناني المستقل عام 1943»، وفيه رفض وجود لبنان الكبير قبل العام 1943 كمخلوق استعماري. ورفض كذلك، فصل فرنسا لبنان عن سورية في العام 1920، مع العلم أن ولايات بلاد الشام، كما سبق القول، ومن ضمنها المقاطعات اللبنانية كانت خاضعة سياسيا للدولة العثمانية، وليس لسورية، أي لا علاقة سياسية قانونية لسورية مع لبنان، كي يُفصل عنها، بالرغم من الروابط الجغرافية والبشرية التاريخية والمجتمعية. وخلص إلى «أن اندفاع اللبنانيين الوحدويين، لا سيما المسلمين منهم، للوحدة السورية، كان أكثر بكثير من اندفاع السوريين أنفسهم إلى تلك الوحدة». وفي مساعي كاظم الصلح لقبول المسلمين بلبنان الكبير، سوّغ حلاق ذلك بأنه كان على أساس المفهوم الوحدوي القومي، وليس المفهوم الإسلامي. لكن قلم حلاق يجفّ تجاه الاحتلال السوري للبنان بين العامين 1976 و2005، ولم يسطّر شيئا عما إذا كان يعتبره عملا وحدويا أم هيمنة نظام.
وبالنسبة إلى فلسطين، وهي أهم القضايا العربية المصيرية الساخنة اليوم، رأى حلاق أن عروبتها الخالصة تهدّدت، فيقول: «في تاريخنا المعاصر واجه العرب منذ العهد العثماني حتى اليوم القضية الفلسطينية التي تمثل أخطر قضية واجهتها الأمة العربية، بعد قضية الأندلس، لأن الاستعمار والصهيونية عمدا إلى تهويد الأرض وطرد الشعب، ويعتبر «فلسطين أندلس الشرق». ويضيف، أنه لم يكن فيها سوى اثنان من اليهود حتى العام 1170، وأن صلاح الدين سمح من منطق التسامح ليهود ألمان وفرنسيين وألمان وإنكليز بالعودة إليها، بعدما أنهى الفرنجة وجودهم. ويؤكد حلاق عروبة فلسطين بأن نسبة اليهود في فيها لم تتجاوز 2% من أهلها العرب في العام 1840: ستة ألاف يهودي في مقابل 300 ألف عربي، ووصل عدده اليهود إلى 60 ألفا، في مقابل 700 ألف من العرب على أبواب الحرب العالمية الأولى. ولهذا يعتبر الراحل حلاق أن «الصهيونية حركة عنصرية استعمارية نادت بحلول انعزالية لما أسمته «المشكلة اليهودية» على حساب عروبة فلسطين، وعروبة لبنان، حيث كانت الصهيونية تخطط لمد حدودها إلى نهر الليطاني للاستفادة من مياهه. لكن فرنسا عارضت ذلك، خشية توسيع نفوذ بريطانيا في لبنان. وقد «عارضت الصهيونية اندماج اليهود في أوطانهم الأصلية، ودفعتهم للهجرة إلى فلسطين وشراء الأراضي، زاعمة بأن لهم فيها حقوق تاريخية وسياسية ودينية... فضلا عن اندماج الصهيونية في مخططات الدولة الاستعمارية بشقيها الاستعماري والاستيطاني والسياسي والاستراتيجي».
لكن حلاق لا يستثني لبنانيين من الإسهام في مشروع تهويد فلسطين، وهاجسهم الربح المادي أو التنكّر لعروبة فلسطين. فيذكر آل سرسق وتويني والأسعد والأحدب وغيرها التي باعت أراضٍ في مرج بني عامر إلى اليهود، فضلا عن تهريب اليهود والسلاح إلى فلسطين عبر لبنان، في مقابل استيراد منتجات الصهيونية. ويهاجم راحلنا المطران أغناطيوس مبارك والبطريرك أنطون عريضة. فالأول صرح في العام 1946 «بأن تقدم لبنان مرتبط بتقدم اليهود، لأن «الصهيونية تأتي بالتقدم لفلسطين». وقدّم مبارك مذكرة في العام 1947 إلى لجنة التحقيق الدولية في جنيف وقال فيها: «فلسطين كانت وطن اليهود والمسيحيين الأولين، وأن واحدا منهم لم يكن من أصل عربي». وطالب مبارك بإنشاء وطن لليهود ووطن للمسيحيين، وأن يكونا «مرتبطين ببعض جغرافيا ويتساندان ويتعاونان اقتصاديا ويكونان جسرا لا بد منه بين الشرق والغرب، سواء من الناحية الثقافية أو الحضارية. وختم مبارك، بأن «لبنان يطالب بالحرية ليهود فلسطين، كما يتمنى حريته الخاصة واستقلاله». واتهم قيادات إسلامية بأنها تعادي الصهيونية في العلن وتبيع لها أراضيها في فلسطين.
أما عريضة فتواصل مع وايزمن زعيم الحركة الصهيونية، وأرسل المطران المعوشي إلى فلسطين للقائه، ورفض تأييد القضية الفلسطينية، وأبلغ لجنة التحقيق الدولية بموافقته على تصريحات مبارك، وأبدى تخوّفه من الفئات الإسلامية والعروبية. كذلك اتهم حلاق الدولة اللبنانية بأنها شكّلت غطاء سياسيا للقوى المارونية المتعاونة مع الصهيونية. ومن جهة أخرى، أثنى حلاق على موقفي نجيب عازوري وجورج أنطونيوس الذين تصدّيا لصهينة فلسطين، وكذلك على موفقي البطريرك ألكسندروس، بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق، والمطران الماروني يوحنا الحاج، رئيس أساقفة دمشق. وامتدح مطران الروم الكاثوليك غريغوريوس حجار الذي دعم القضية الفلسطينية وهاجم في أثناء الثورة الفلسطينية في العام 1936 السماسرة اللبنانيين الذي يبيعون أراضي فلسطين إلى اليهود لتحقيق مكاسب مادية.
وأشار حلاق إلى القرارات العربية ضد الصهيونية التي بقيت حبرا على الورق، وإلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين في العام 1947، وقد حصلت الصهيونية على تأييد المجتمع الدولي للقرار، وحصل انقسام في لبنان بين مؤيدي لعروبة فلسطين، وبين التيار المؤيد لمشروع فلسطين وطن قومي لليهود، ولبنان وطن قومي مسيحي. وفي العام 1948، دعم لبنان جيش الإنقاذ بقيادة القاوقجي وأمدّه ببعض قطع المدفعية، وسمح لمتطوعين عرب بالمرور من لبنان إلى فلسطين للقتال ضد الصهيونية.
هذا هو حسان حلاق العروبي، والمناضل في سبيل القضية الفلسطينية. فالعروبة وفلسطين توأمان عند حسان حلاق، فلا يمكن للإنسان أن يكون عروبيا بمعزل عن قضية فلسطين. فظلّ حاملا همّهما حتى رحيله المفاجئ. وداعا يا صديقي... وإلى اللقاء.

(مؤرّخ وباحث)