ما تزال صورة الشاعر العربي ماثلة في الأذهان كمدافع عن قبيلته وممثّل لها في كرّها وفرّها، في غزوها وفي حروبها.. في انتصاراتها وهزائمها، حتى بات مركزه في القبيلة مهمّاً وخطيراً، لأنه لسانها الذي يردّ كيد الأعداء ويتحدّى من تسوّل نفسه تهديدها، وهو أيضاً المادح والراثي والهاجي والمفتخر، بل هو الذي يختزل تاريخها في بعض قصائده.. هذه الشخصية المميّزة تحاكي شخصية وزير الإعلام في زمننا، وقد أكسبته احتراماً، ما بعده إحترام وإجلالاً ما بعد إجلال..
ولا تزال الذاكرة تختزن صورة هذه الشخصية التي أكسبها الواقع نوعاً من التقدير لا تتلاءم أحياناً مع الواقع الإنساني لهذا الشاعر، لأن جمهور القرّاء لا يرى فيه إلّا القصيدة والكلمة المتألقة من غزل ورثاء ومدح.. مما أدّى الى اختلاط صورته الحقيقية بصورة ما كتب وأنشد، وأصبح التفريق بينهما مستحيلاً، هذا الواقع يسيئ إلى المبدع إن لم نقل يظلمه، وهذا ما حصل مع الشاعر أبي النواس وجعل منه (الشاعر المتهتّك) رغم أنه لم يكن متهتكاً إلّا في بعض شعره وديوانه يفصح عن أجمل قصائد الغزل والحكمة والتصوف.. كذلك أُلصقت في عصرنا الحديث تهمة (كازانوفا ودونجوان) بشخصية الأديب الراحل إحسان عبد القدوس وربطته بعلاقات متخيّلة بعشرات النساء اللواتي كتب عنهن في مؤلفاته..
إن اختلاط الواقع بما يبدعه الكاتب من شعر ونثر يعطينا صورة لا تعكس الصورة الحقيقية للكثير من الأدباء والفنانين.. هذا مع العلم ان جزءاً من العالم لا يشاركنا النظرة السلبية للمبدعين لأنه يعتبر أن حياتهم الخاصة ملكاً لهم ولا تؤثّر على نظرتهم إلى أعمالهم من نثر وشعر وفكر وفن، وعلى هذا الأساس يبقى شرق ألف ليلة وليلة هو شرقنا ولا بد أن نتحرّر من نظریات ومعتقدات تجاوزها الزمن وننظر إلى العمل الإبداعي نظرة علمية وموضوعية، بعيدة عن معتقدات وآراء عفا عنها الزمن وتجاوزتها النظريات العلمية لكل جديد..