كتب «كنزابورو آوي» روايته «الموت غرقاً» بعين الناقد الموضوعي والمؤرخ والروائي الباحث عن مسرحة أعماله بأسلوب روائي يتميّز بالشكل الدرامي المتدفق بصوره المتخيّلة محافظا على أدوات السرد الكلاسيكية، ولكن منحها درامية مشحونة بحركة السرد المبتكرة في «خلق سردية متعددة الأبعاد» مما يسمح بالتفاعل مع الأحداث التي تساهم في تكوين المنظور الدرامي بتحويل «صورة كوغي المجازية» إلى نقطة محورية تحفز نفسياً على استكشاف خصائص الشخصيات الخاصة الأم والحقيبة الجلدية، وقصيدة الهايكو، مما يمنحه حسّاً خاصاً بالحلم الذي ينبت من الواقع مستحضرا من الذاكرة اليابانية ما يمكن أن يبدو، وكأن الرواية بكاملها هي الحقيبة الجلدية الحمراء التي نستكشفها ببطء، ويتجانس مع السرد المسرحي في جزء كبير من روايته، وغالبا ما تذكّرنا هذه الأساليب بالأعمال الأدبية الكبرى. إذ نأى كنزابورو عن سيادة النص الروائي بالسرد المسرحي أو الأحرى ما بعد الدراما التخيلية وفقا لنهج بنائي تماثل مع كوغي أو ادراج المثيل الآخر للراوي محاولا في الفصل السابع والثامن تمثيل الأفعال. ليدمج الأدب الدرامي مع الوظائف السردية للتنقل من حقبة إلى حقبة خاصة الحقبات التاريخية منها حقبة ميجي والتمرّد وغيرها الكثير من خلال مسرحتها، لنعرف ماهية الموت غرقا لوالد جرفه النهر وأصبح واحداً مع التيار وضمن ازدواجية المعاني. إذ يتلاعب «كنزابورو آوي» بالمفردات، ويستخرج بعضها من قصائد، ليجعلنا نرى الإنسان من الشيخوخة إلى الطفولة الأولى، وبهذا يمكن استرجاع الكثير من الذكريات، بوعي وعمق لواقع ولحقبات تاريخية كمثل «السنة الثامنة من حقبة شووا (أي عام 1923)». فهل الحلم الذي يتحوّل إلى واقع في رواية «الموت غرقا» هو واقع التحوّلات في الرواية اليابانية المعاصرة دون أن يتخلّى عن المشاهد الخيالية أو الأحرى السريالية مع كوغي الذي جعله توأمه وشبيهه تماما والقادر على استدراك ما لا يستطيع استدراكه الراوي؟
سحر وفنتازيا قصة نيلز الذي يرحل على ظهر اوزة، فهي هدية من صديقة والدته التي استبدلت الأرز بالكتب القديمة منفتحا على الماضي والحاضر معاً من خلال جيل نشأ على حب القراءة. إذ لم ينسَ التقنين زمن الحرب «والتفاصيل الطفولية المؤثرة على الشيخوخة، بصيغة درامية مبنية على استذكار مكثف» باحثا عن المسرح وناشطا في بناء المشاهد والإخراج، وكل ما من شأنه العلو بالسرد والاتجاه به نحو الدراما، لإثارة الجدل أكثر في الفصل الرابع، وتحت عنوان وتحققت المزحة حيث نلمس نبرة أدبية ذات صياغة مرتبطة بلعبة المشاهد الخيالية والعائلية، وحتى السياسية لتكتسب بعض التعقيدات التي تسمح بفهم ثقافة العيش في اليابان، والتشكلات الفنية في الأدب الياباني وإعادة إنتاج الزمن من خلال الفن الروائي المحكم الصياغة دون تقنين، وإن تمسّك كنزابورو بقصيدة الهايكو ملتقطا منها جوهر الأشياء أو الفكرة التي انطلق منها، وهي الموت غرقا أو الانجراف مع التيار أو الجري مع السرد كجريان الماء. إذ يعكس روحية المعنى كما الهايكو من خلال الفن الروائي المصقول بيد خبير في الأدب بشكل عام. لأنه منح الصورة كل احتياجاتها من القصيدة الى المسرح، فالصورة الفوتوغرافية واللوحة التشكيلية والورق والرؤية السياسية، ولماضي ولحاضر اليابان دون أن ينسى المرأة ومشاعر الحنين. وكل ذلك والقارىء يشعر انه امام مسودة روائية يعيد ترتيبها وهو يقرأها، وبذلك يحقق كنزابورو عدة انتصارات أدبية لجيل ينتمي هو له. فهل من شطحات للخيال الذي تخلل وصف الأحداث؟ وهل تصوّره لشخصية والده هي لغرز الجذور اليابانية والابتعاد عن التطرف في كل شيء؟
تشير رواية «الموت غرقا» إلى الكثير من الأعمال الفنية اليابانية وخصائصها مشيراً إلى العصور الأدبية من كتب التاريخ الممزوجة بالأساطير والحقائق، وصولا الى فن القصة برمزية القواعد اللغوية، وعلم الأصوات وغيرها حتى مؤلفات آكاري الموسيقية، وأبيات آليوت، وبتخطيط سعى من خلاله الى القول أنه كان من الصعب أن تتحقق هذه الرواية بقدرات قوية وهو لا يزال شابا عديم الخبرة «قرأت تلك الخردة النثرية التي اسميتها رواية الغرق» وكأنه يعيد كتابة ما كتبه أيام الشباب، ولكن بأسلوب زادته الشيخوخة صقلا وانسجاما ودلالات تصارع معها محاولا دمج بعض تفاصيل السيرة الذاتية مع قدرته على التغلغل بالعمق الدرامي والفنتازي، أن من جهة والده أو كوغي الشخصية المرادفة له للابقاء على تاريخ الرواية الفعلية في حقبة حياة الكاتب من مولده حتى مماته، وما رافقها من ذكريات هي لشعب ياباني بامتياز. فهل موت الرواية كفن أدبي هو موت الدراما؟ أم ان الدراما الجديدة في اليابان تعتمد على ما كتبه روادها؟ وهل جمع كنزابورو اقتباسات وتلميحات فى رواية حازت على جائزة نوبل للآداب لقدرتها على إبراز قيمة الجيل الأدبي الذي برز بقوة بعد الحرب؟ أم هي استرسال في سيرة ذاتية من الشيخوخة إلى الطفولة في كل المراحل التي جعلت منه روائيا قادرا على فك شفرة الرواية، وما يتلاحم معها درامياً؟