بيروت - لبنان

اخر الأخبار

31 تشرين الأول 2025 12:00ص النحات ثامر الناصري تشكيل الأنوثة في صيغة نحتية

حجم الخط
تحمل منحوتات النحات العراقي «ثامر الناصري» من المعاني ما يتجاوز مظهرها الصامت. إذ يوظّف الكتلة والفراغ، الشكل والظل، الأبيض والحياد، ليعيد تشكيل الأنوثة في صيغة نحتية تختزل البشري في ما هو رمزي، وتتجاوز ما هو جسدي إلى ما هو روحي وفلسفي. إذ ينقلنا في منحوتاته من التكوين البصري إلى المعنى الجمالي، مروراً بالهندسة النحتية، والدلالات الثقافية التي يحيل إليها الشكل الأنثوي حين يُقدَّم لنا ككتلة مجردة، منحوتة في لحظة صمت. فماذا عن الجمالية البصرية والانطباع الأول عند المتلقّي؟
الانطباع الأوّلي الذي تتركه المنحوتات أنها ترتكز على التوازن. فأعماله تفرض حضورها دون أن تكون صادمة؛ تتحدث نحتيا عن الفن الصامت الذي يعصف بالوجدان. منحنياتها، انسيابيتها، لون خامتها، كلّها عناصر تُنتج لحظة «سكينة» بصرية. فهو يعرض قوة الجسد في الشكل، بل استبطان للجمال من الداخل. إذ تتوزع الكتلة في المنحوتة بانسجام كبير، حيث لا نجد نتوءاً أو حدّة، بل كل شيء يبدو وكأنه نُحت ليُشبه نسمة. فالجمال لا يأتي من تفاصيل الوجه أو تشريح الجسد، بل من الغياب المدروس للتفاصيل. إنه جمال صامت، لا يحتاج للشرح، لكنه في الوقت ذاته، لا يمنحك نفسه بسهولة.
يتجلّى مفهوم النحت كفن الكتلة والفراغ وليس فقط الكتلة. فهذا المفهوم نلمسه بوضوح في منحوتات الناصري. التكوين منحني، حلزوني أحياناً، ينغلق على ذاته في مناطق، وينفتح في مناطق أخرى. الجسد الأنثوي يُعاد تشكيله من خلال الكتلة المنحنية التي تحاكي التفاف الجسد حول ذاته، وكأن الأنثى في وضع تأمّلي أو احتوائي. كما أن الفراغات بين الانحناءات تلعب دوراً مهماً: ليست مجرد فراغات، بل أدوات بصرية لتوزيع الضوء والظل. هذه الفراغات تخلق إيقاعاً بصرياً، يجعل العين تتحرك دون انقطاع، كأنها ترقص مع المنحوتة. فهل مركز الثقل يمنحها ثباتاً داخلياً قوياً؟ وهل القاعدة الصغيرة نسبياً مقارنة بالجزء العلوي، يعزز الشعور بالخفة رغم وزن الخامة؟ وهل كل شيء يلتف إلى الداخل، مما يوحي بانطواء رمزي أو ذاتي؟
يُسخّر ثامر الناصري الاستخدام الذكي للأشكال البيضوية والدوائر المغلقة. فالنمط شبه اللولبي في انحناءات الجسد، يشبه منحنيات الحلزون أو قواقع البحر. هذا الشكل يرمز في العديد من الثقافات إلى دورة الحياة، النمو، الخصوبة، وحتى العزلة. فقاعدة المنحوتة تميل إلى الشكل البيضوي، مع التقاء خطوط القاعدة بخطوط الجسد دون زوايا حادة. فهل التوازن البصري يتم حفظه من خلال تناظر غير صارم، أي أن الجانبين ليسا متطابقين تماماً، لكن بينهما توازي إيقاعي جميل؟
يمكن اختزال التكوين العام في المنحوتة التي ترافق مقالي هذا ضمن مثلث بصري مقلوب عند قاعدة صغيرة وقمة عريضة، في كسر رمزي للأنماط التقليدية. وربما أقوى ما في العمل هو رمزية الشكل الأنثوي وقدرته على تجاوز الجسد المادي إلى الجسد الرمزي. فالفنان لا ينحت امرأة، بل ينحت «فكرة المرأة» بمعنى لا كموضوع رغبة، بل ككيان روحي، طاقي، يشعّ من الداخل. في غياب الوجه والأطراف، تُصبح المنحوتة تمثيلاً كلياً للأصل الأنثوي الأم، الخصب، الوعي الصامت، والاحتواء. فهل غياب الملامح يوحي بصمت وجودي، كأن الجسد يتحدث دون صوت؟ وهل الشكل المنغلق على ذاته يوحي بالحماية أو بالعزلة المقدّسة؟ وهل المنحنيات الممتلئة توحي بالأمومة والخلق؟
يمثل الأبيض النقاء فهو ليس لوناً، بل مادة فلسفية وخامة مصقولة بصرياً، لكنه أيضاً يحمل في باطنه طاقة رمزية هائلة. السطح المصقول يعكس الضوء، مما يمنح المنحوتة حضوراً ديناميكياً يجعلها تتغيّر بحسب الإضاءة، وتُلقي بظلال متفاوتة.
فالملمس ناعم جداً، يخلو من الخشونة، وكأنه أراد إلغاء أثر اليد البشرية عن الظاهر، لصالح شكل «نقي» وخالد، كإنما خرج من الأرض أو من حلم، لا من أدوات النحت. فهو يُعيد تعريف الجسد، لا من الخارج، بل من الداخل وبوصفه وعاءً للطاقة، للخلق، وللصمت العميق. كنوع من المقاومة الهادئة: رفضٌ لتشييء الجسد، وفي نفس الوقت احتفاء به، ولكن كرمز للكينونة لا للعرض. فهل خرجت منحوتته من المدرسة التجريدية العضوية والتي تشبه أعمال هنري مور (Henry Moore) في طريقة اختزال الجسد إلى منحنيات مجردة؟ أم أنه يعتبر الجسد مركزاً للتجربة الحسية والمعرفية، وليس فقط شكلاً بصرياً؟ وهل هذا من النحت النسوي المعاصر حيث يُعاد تقديم الجسد الأنثوي من منظور داخلي، غير استعراضي؟