بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 آذار 2025 12:00ص الوزير مرقص أمام تحدّي تلفزيون لبنان

حجم الخط
إذا كان مُقَدراً لتلفزيون لبنان الخروج من «الراحة» التي جعلَتْها التجاذبات السياسية «أبَدية» بفنون المماحكة والكيد والاستئثار، فأفضل طريق أمام الوزير بول مرقص هو اختيار المهنيين المُخَطّطين في لعبة الشاشة الصغيرة خلال تشكيل مجلس إدارته، لا غير!
والمهنيّون تعني العارفين بما يعرَض على الشاشة، أكثر من العارفين بالإطار الإعلامي عامةً والمُنظّرين له، أو العاملين فيه عبر الصحافة أو عبر إعداد برنامج معيّن وتقديمه وكفى الله المؤمنين شرّ القتال.
محكومٌ أن يتوافر في أعضاء مجلس الإدارة ورئيسهم شرط أساسي هو إدراك التفاصيل والحيثيات في دورة برامج تلفزيونية كاملة، تلبّي تطلّعات الجمهور اللبناني.. وتكون مُبتَكرة وليست منقولة عن محطة هنا وأُخرى هناك؟ وإذا كان لا بدّ من سؤال يوجّه إليهم هو هل باستطاعة كلّ منهم مثلاً وضع تصوّر كهذا لدورة برامج؟
إنّ هذا السؤال لا يستطيع الإجابة عنه إلا المتخصّصون بأرض «المعركة» التلفزيونية وفي الاستديوهات، الذين يعرفون ماذا يمكن أن يرفعَ شاشةً أو محطةً من واقع أليم إلى واقع كريم يرتبط بحاجات الناس، بكل فئاتهم، الاجتماعية والثقافية والفنية والترفيهية، لا السياسية فقط. فقد ابتُليت شاشة تلفزيون لبنان بنظرةٍ مُبتَسَرة لكيفية وجود المحطة بين زميلاتها، وهي عَرض برنامج سياسي فحسب، ووضع الإمكانات إذا توافرَت في طريق تحقيقه. ونعرف جيداً هذا الهمّ الذي تمثّل لدى كلّ الأيادي التي أدارت المحطة الرسمية، في تقديم برنامج تلفزيوني سياسي تعاقَب عليه كل مرة إعلامي أو إعلامية من قطاع الإعلام السياسي، أما بقية البرامج من فنون وثقافة وترفيه وتسلية ومسلسلات، فدورها على طول كان محدوداً جداً.
وماذا كانت النتيجة؟ هل تمكّن برنامج من هذه البرامج العديدة اختراق الفضاء السياسي اللبناني بأسلوب جديد وكسْب مشاهدين إضافيين للمحطة؟ مؤكد لا! والسبب ليس ضعف أو قوّة معدّ ومقدم دون آخر، بل دورة البرامج كلها. البرنامج السياسي في تلفزيون لبنان الرسمي مقيّد بحدود معينة مهما تجاوزَها فإنه لا يتجاوزُها، وإذا لم يكن ضمن باقة برامج متنوّعة ومتعدّدة المضامين فلا يستطيع فِعل شيء.
ولا نفشي سِراً إذ نقول إن البرنامج السياسي في تلفزيون لبنان كان كل مرّة يبدأ باختيار شخصيات سياسية مؤثرة.. ثم يتدحرج المستوى إلى الحدود الدنيا. لماذا؟ لأن العمل يجري على الأسماء لا على المواضيع المطروحة للنقاش، ويحاول أصحابه تنفيذ أجندة «أفكارهم» الشخصية أكثر مما يسعون إلى فتح مروحة المرونة والتنوع. ولا أرغب في التوسّع.
إن دورة البرامج كاملة هي المحك، وهي المعيار الذي ينبغي أن يأتي على أساسه مدير ومجلس إدارة. صحيح أن المحطة ستفتح الأبواب لأفكار برامج جديدة، مع أهل العمل والخبرة، إنما لا يجوز ان تبقى الإدارة غائبة عن التفكير في الأصلح من البرامج، ويتعيّن أن تمتلك القدرة على الحُكم المنطقي لا الكَيفي على البرامج.
القاعدة في لبنان لاختيار مدير وأعضاء لتلفزيون الدولة هي اعتبارات سياسية غافلة عن فنون التلفزيون، وبالحد الأقصى «وجود» الأشخاص المُختارين في الحياة الإعلامية صحافة وشاشةً صغيرةً وإذاعةً. وهذا لا يكفي. فمتابعة البرامج في كل محطاتنا اللبنانية وغيرها تكشف أنّ لمدرائها المعرفة والتقدير والخبرة في تحديد ما يفيد من البرامج، وما ينتشر، وما يستقر في الذاكرة.
ونادراً ما يتنبّه رئيس مجلس إدارة تلفزيون لبنان، أنه لا يدير محطة خاصة. فللمدير في المحطة الخاصة أن يفعل ما يشاء فالمحطة له، والموظفون موظفون عنده، أما في تلفزيون الدولة فالموظفون إبناء الدولة، ولا يَخفى على أحد تعقيدات ذلك. ولنا في بعض التجارب السابقة في محطتنا الرسمية تجارب قاسية ومُحبطة.
وضْعُ تلفزيون لبنان ليس معقّداً بالصورة المتداولة عنه. ودورة البرامج المطلوبة هي الوحيدة التي يمكنها الصعود به. لكنْ ليس قبل تخصيص موازنة إنتاجية جيدة ومريحة كي يتحرك مجلس الإدارة باتجاه أفكار برامج متميزة، وديكورات عصرية، وطاقم بشَري عارف وابن مهنة. وليست مستحيلة استعادة موقعه الذي كان حين لم يكن تلفزيون غيره، واليوم أرشيفه الغنيّ جدّاً، مسروق وتُعرض مقاطع منه على كل الشاشات المحلية والعربية كلما احتاجوا إلى مشهد أو لقطات ڤيديو ، دون أي ذكر لمصدرِ ما يُعرَض.
آن لهذا الفارس أن يترجّل عن منصّة عذابه، وأن يتعافى ويرجع سيداً حراً مستقلاً لا بالشّعار بل بالممارسة الإبداعية، وصناعة محتوى خلّاق.