بيروت - لبنان

اخر الأخبار

19 كانون الأول 2025 12:00ص بين الفعل والفاعل: قراءة في وهم العصمة!

القاضي م. جمال الحلو القاضي م. جمال الحلو
حجم الخط
من لم يكن في ازديادٍ فهو في نقصان؛ حقيقة تختصر مسيرة الإنسان بين سعيٍ دائم إلى الكمال، واحتمالٍ دائم للسقوط في فخّ الجمود. وفي خضمّ هذا السعي تختلط المفاهيم كثيراً، فيُساء فهم التنويه، ويُحمَّل أكثر مما يحتمل، حتى يكاد يتحوّل من تقديرٍ للفعل إلى تمجيدٍ للشخص، ومن إشادةٍ بالإنجاز إلى ادّعاءٍ للعصمة.
حين نتحدّث عن شخصٍ ما تنويهاً بعملٍ قام به وحقّق فائدةً للمجتمع، فإننا لا نخرج عن إطار الموضوعية، ولا نقصد مدح الذّات أو تبرئتها من الخطأ. فالتنويه، في جوهره، تسليطُ ضوءٍ على فعلٍ إيجابي، لا شهادةُ كمالٍ لصاحبه، ولا صكُّ براءةٍ دائم من الزلل.
نحن، في نهاية المطاف، لا نملك إلّا ظاهر الأمور، أمّا السرائر فإلى لله وحده؛ هو العليم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم السرّ وأخفى. وهذه الحقيقة الإيمانية تذكّرنا بأن الحكم على الأشخاص حكمٌ قاصر بطبيعته، لأن الإنسان لا يُدرِك إلّا ما ظهر له من الأفعال، أمّا النيّات والمقاصد فموضعها علم لله، لا تُحيط به العقول ولا تدركه الأبصار.
ومن هنا، فإن الخلط بين الفعل والفاعل ليس مجرّد خطأٍ لغوي أو سهوٍ فكري، بل انزلاقٌ خطير في الوعي الجمعي، إذ يُفضي إلى تقديسٍ غير واعٍ، أو إلى شيطنةٍ متعجّلة، وكلاهما وجهان لعملة واحدة: وهم العصمة. فالعصمة، بمعناها العقدي والأخلاقي، ليست صفةً بشرية عامة، ولا تُكتسب بالتراكم الإعلامي، ولا تُمنح بقرارٍ اجتماعي، بل هي – في أسمى تجلّياتها – استثناءٌ إلهي لا يُقاس عليه.
إن الإشادة بعملٍ نافع واجبٌ أخلاقي، لأن إنكار الفضل ظلم، وكتمان الخير خيانة للحقيقة. غير أنّ هذا الواجب لا يستلزم تعليق العقل، ولا تعطيل النقد، ولا إغلاق باب المراجعة. فالشخص الواحد قد يُحسن اليوم ويُخطئ غداً، وقد يجتمع فيه الصواب والزلل، والنور والظل، كما هي طبيعة البشر منذ خُلقوا.
والأخطر من ذلك أن تحويل التنويه إلى حصانة، والثناء إلى درعٍ مانع من المساءلة، يُفسد العمل نفسه قبل أن يُفسد صاحبه. إذ ما إن يشعر الإنسان أن أفعاله لم تعد تُقاس بميزانٍ عادل، حتى يبدأ الانحدار من حيث لا يشعر، ويغدو الثناء وقوداً للغرور بدل أن يكون حافزاً للاستقامة.
ويزداد هذا المعنى رسوخاً حين ندرك أن الوعي النقدي لا يتناقض مع الأخلاق، بل هو أحد تجلّياتها العليا. فالمجتمع الذي يصفّق بلا تمييز، كما المجتمع الذي يجلد بلا إنصاف، كلاهما يفقد بوصلته. الأول يُنتج أصناماً بشرية، والثاني يُنتج خراباً نفسياً وأخلاقياً. أمّا المجتمع السويّ، فيعرف كيف يُشجّع دون أن يُقدّس، وكيف يُحاسب دون أن يُشهّر.
إن الفصل بين الفعل والفاعل ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة تربوية وثقافية. فحين نُعلِّم أبنائنا أن العمل الصالح يُشاد به لذاته، لا لاسم صاحبه، نغرس فيهم قيمة الإتقان لا وهم التفوّق الشخصي. وحين نُعلِّمهم أن الخطأ يُناقَش ويُصحَّح دون إلغاء الإنسان، نُنشئ جيلاً قادراً على التعلّم من الزلل بدل الهروب منه.
ومن زاويةٍ أعمق، فإن وهم العصمة لا يضرّ بالممدوح فحسب، بل يضرّ بالمحيطين به أيضاً. إذ يخلق مناخاً من الصمت القسري، حيث يُفسَّر الاختلاف خيانة، والنقد حسداً، والتنبيه تعدّياً. في مثل هذا المناخ، تُوأد الحقيقة باسم الولاء، وتُقصى الكفاءة باسم القرب، ويُستبدل ميزان القيم بميزان الأشخاص.
أما حين يُعاد الاعتبار لمركزية الفعل، فإن الميزان يستقيم. يصبح السؤال: ماذا قُدِّم؟ كيف قُدِّم؟ وما أثره؟ لا: من قدّم؟ وما مكانته؟ وحينها فقط، يتحرّر النقاش من الانفعالات، ويعود إلى مساره الطبيعي: البحث عن الصواب، لا الانتصار للأسماء.
ولعلّ أخطر ما في الخلط بين الفعل والفاعل أنه يُغري الإنسان بتبرير أخطائه بدل تصحيحها. فمَن اعتاد أن يُمدَح على الدوام، يرى في كل ملاحظة تهديدًا لصورته، لا فرصةً لتقويم مساره. وهنا يتحوّل الثناء من نعمة إلى نقمة، ومن دافعٍ للنمو إلى عائقٍ أمامه.
إن الرشد الأخلاقي يقتضي شجاعة مزدوجة: شجاعة الاعتراف بالفضل حيثما كان، وشجاعة قول الحقيقة حين يلزم قولها. ولا يكتمل أحدهما دون الآخر. فالصمت عن الخطأ خيانة للعدل، كما أن إنكار الخير جحود للواقع.
وفي الخلاصة، يمكن القول إن إنصاف الأفعال دون تأليه الفاعلين هو شرطُ صحةٍ لأي نهضةٍ فكرية أو اجتماعية. فالأمم لا تتقدّم بالأسماء، بل بالمبادئ، ولا تُبنى بالأشخاص، بل بالقيم التي تُحاسِب الأشخاص. وكلما ضاق الهامش بين التقدير والمساءلة، اقتربنا من المعنى الحقيقي للنضج: أن نرى الإنسان كما هو، لا كما نُحب أن نراه.
وهكذا، يبقى وهم العصمة أحد أخطر الأوهام الفكرية، لأنه يُلبس الخطأ ثوب الفضيلة، ويُغلّف القصور بغلاف التبجيل. أمّا التحرّر منه، فلا يكون بالتهجّم ولا بالتقليل، بل بإعادة الأمور إلى نصابها: فعلٌ يُوزن بميزانه، وإنسانٌ يُكرَّم بإنسانيته، لا بادّعاء كمالٍ لم يُخلَق له.