بيروت - لبنان

اخر الأخبار

26 آب 2025 12:00ص تأمّلات وتوصيات في أخلاقيات التراث ومفهومه (2/2)

حجم الخط
بعد أن تناولت في الجزء الأول من هذا البحث ما يجب معرفته فيما يتعلق بمفهوم التراث، أضيف أنه لا يزال هناك إشكالية في هذا الفهم، ومن خلال مشاهداتي فيما يخصّ العاصمة بيروت، وما دوّنته في هذا المجال منذ ما يقارب العشرة أعوام، لاحظت وجود حالات لا تتناسب فيها المواقف التي يجب فهمها مع أنظمة المعرفة الحالية. وفي مثل هذه الحالة، غالباً ما يرتبط إدراك الظاهرة بإعادة هيكلة المجالات الإشكالية وإعادة صياغة الأهداف في الفهم. ولحلّ هذه الإشكالية لا بد للمعنيين وخاصة في وزارة الثقافة من تقديم مفهوم واضح للتراث من الناحيتين العملية والنظرية، فمن المسلّم به أن التراث جزء من الواقع والنسيج الاجتماعي ولا يمكن اعتباره منفصلاً عنه. ولكي نستطيع إيصال رسالة مفهوم التراث الواضحة، لا بد من مراعاة الجوانب الاجتماعية المختلفة للواقع الموضوعي، وهو ما يدعونا إلى تبنّي توصيات تراعي هذا الجانب وتهدف إلى الإصلاح والتحذير من تجارب سابقة، أفسدت ما أفسدت وهدّمت ما هدّمت، خاصةً في العاصمة بيروت.
بالطبع هناك توصيات قدّمها المنتدى الدائم لليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي واتفاقية التنوّع البيولوجي والمنظمة العالمية للملكية الفكرية تهدف بالدرجة الأولى إلى وضع مبادئ لحماية المعارف التقليدية والفرص والأنشطة الاقتصادية القائمة على الثقافة كوسيلة محتملة لتعزيز هويات الشعوب الأصلية، بما يسهم في نمو الناتج المحلي الإجمالي وحماية البيئة والتقدير المتبادل للثقافات. وقد أقرّ المنتدى الدائم بالثقافة باعتبارها الركيزة الرابعة للتنمية المستدامة. ولطالما أدركت الشعوب الأصلية أن الركائز الثلاث للتنمية المستدامة (الجدوى الاقتصادية، والإدماج الاجتماعي، والتوازن البيئي) لا تكفي لتعكس تعقيد مجتمعاتها. وترى الشعوب الأصلية أن الركيزة الثقافية تشمل التقاليد الثقافية والروحية للبشرية. كما شجّع المنتدى الدائم جميع الدول على تأييد اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي، آخذاً في الاعتبار ضرورة حماية وتعزيز الهويات المتميّزة للشعوب الأصلية ومؤسساتها الثقافية وفلسفاتها ورؤيتها للعالم، وقوانينها العرفية، ونظم الحوكمة السياسية والعدالة الأصلية، ونظم معارفها وسبل عيشها التقليدية المستدامة وغيرها من النظم الاقتصادية، بالإضافة إلى إعادة بناء ثقافات ومجتمعات الشعوب الأصلية النازحة من أراضيها التقليدية في المراكز الحضرية.
وفي لبنان، تقودنا كل التوجهات السابقة إلى أهمية توصيات تخرج من إطار «الحبر على ورق» إلى واقع عمليّ يتحدّى الواقع السياسي وهيمنة رأس المال المتسلّط. ولا يكون ذلك إلّا بتبنّي خطوات ذات مصداقية وشفافية بعيدة عن الإنتماء السياسي أو الطائفي أو الأنانية المادية المفرطة، واعتماد المتابعة الدائمة لتحقيق هذه الأهداف الثقافية النبيلة. ومن المؤسف أن نقرأ عن توصيات تصدر عن مؤسسات أو تجمعات أو مبادرات ثم تطوى وكأنها لم تكن! وتعود بي الذاكرة إلى ندوة ثقافية عقدت في أحد فنادق بيروت الفخمة في شهر آذار/ مارس سنة 2009. فبالرغم من الدراسات الممتازة والمداخلات القيّمة التي قدّمها أكاديميون مرموقين، إلّا أن الندوة المذكورة اختتمت أعمالها بثمانية توصيات لم يتابعها أحد، وبالتالي لم يتحقق منها لاحقاً شيء يُذكر. وبرأيي أن التوصية الأساسية والأهم التي غابت عن أذهان المجتمعين في تلك الندوة هي الناحية القانونية التي تتمثل بالطالبة بقانون واضح لحماية المعالم التراثية دون وجود ثغرات وُضعت عمداً في القوانين السابقة لكي يتسلل من خلالها أصحاب المصالح من سياسيين ومقاولين. ففي عام 1995، أُحصي 1016 منزلاً تراثياً في بيروت، فقام وزير الثقافة آنذاك، ميشال إده، بتقديم كتاب إلى محافظ بيروت نقولا سابا، طالباً تجميد هدم المباني المذكورة، بناءً على دراسة أجرتها جمعية حماية المواقع والآثار القديمة في لبنان (APSAD). وفي عام 1997، انخفض عدد المنازل المشار إليها في قرار عام 1995 إلى 520 منزلاً! وفي أقل من عام، انخفض هذا العدد إلى 209 مبانٍ أثرية، أُدرجت ضمن الجرد العام للمباني المحمية في مديرية الآثار التابعة لوزارة الثقافة. ومنذ عام 1998، صدرت عدة قرارات وقوانين محلية لحماية المباني التراثية، إلّا أنها كانت غامضة، ولم يستفد منها إلّا أصحاب رؤوس الأموال، وخاصة المقاولون والسياسيون.
من أجل ذلك كله، ومن خلال تجربتي ومشاهداتي، سأقدّم هنا تسعة توصيات أراها ضرورية للحفاظ على موروثنا المعنوي وما تبقّى من تراثنا المادي:
1. المطالبة بقانون واضح لا لبس فيه لحماية المواقع التراثية يتضمن التعويض المناسب على المالك.
2. مطالبة مديرية الآثار في وزارة الثقافة بقائمة جرد تحظى بموافقة المراكز والمختبرات الحضرية في الجامعات والمؤسسات المرموقة، وتكون متاحة لجميع من يطلبها.
3. ضرورة أن يكون التراث مادة تستحق أن تُدرج في مناهج المواد التعليمية التي تدرّس في مدارس الناشئة في لبنان. وقد فصّلت الأسباب الموجبة لذلك في مقالة بعنوان «تراثنا أمانة لأجيال الغد في عهدة وزارة التربية اليوم» نشرت في عدد يوم 21 أيلول 2022 من هذه الجريدة.
4. إشراك المجتمعات المحلية والأجيال القادمة في صنع القرار، مع الاعتراف بمسؤوليتها وروابطها الثقافية.
5. احترام التقاليد الحية وخصوصيات النسيج الإجتماعي - فالتراث لا يقتصر على الآثار فحسب، بل يشمل أيضاً العادات والطقوس والتاريخ الشفهي.
6. دمج التراث في برامج التنمية المستدامة الحكومية دون المساس بقيمته.
7. الإمتثال لقوانين التراث الدولية (مثل إتفاقية اليونسكو لعام 1970 بخصوص الإتجار غير المشروع، وغيرها من الاتفاقيات الدولية).
8. إعطاء الأولوية للحفظ على الترميم وتجنّب تغيير التراث دون داعٍ، وتلزيم الترميم لمهندسين أخصائيين مشهود لهم بالنزاهة والحرفية.
9. تشجيع المجالس البلدية في البلدات والقرى، وتوفير الدعم المادي لها لإقامة متاحف محلية تحفظ تراث المنطقة وتلقي الضوء على هذا التراث، كما شاهدنا في بلدة دوما على سبيل المثال.
من خلال التعرّف على مفهوم التراث وتقديم التوصيات المناسبة ومتابعة إمكانية تحقيقها، تبرز أهمية أخلاقيات التراث الثقافي الهادفة إلى التوازن بين حماية الماضي وتلبية احتياجات الحاضر والمستقبل. فالتراث الثقافي ليس مجرد مجموعة من القطع الأثرية أو المعالم، بل هو الذاكرة الحيّة للمجتمعات، حاملةً القِيَم والمعرفة والهوية عبر الأجيال. وتتطلب الإدارة الأخلاقية الصدق والاحترام والشمولية والشفافية في كيفية توثيق التراث وحفظه وتفسيره ومشاركته. كما تدعو إلى حماية التراث من الاستغلال، وضمان أن يكون للمجتمعات صوت في رعايته، ونقله سليماً وذا معنى لمن سيرثه. وفي نهاية المطاف، فإن احترام أخلاقيات التراث الثقافي مسؤولية أخلاقية: فهو يتعلق بإبراز أهمية الثقافات، وتعزيز الحوار بين الشعوب، وضمان بقاء رحلة الإنسانية المشتركة كاملة وصادقة لقرون قادمة.
----------------
* صيدلي وباحث في التراث الثقافي