بيروت - لبنان

اخر الأخبار

20 آذار 2025 12:00ص تراث رمضان: التشكيليين من المستشرقين إلى المعاصرين.. مظاهره وعاداته تجسّدت إبداعاً في لوحات

حجم الخط
حمل شهر رمضان المبارك في طياته على مرِّ العصور إلهاماً للعديد من الفنانين التشكيليين، الذين سجلوا نفحات وأجواء هذا الشهر الكريم في لوحات لا تزال بعد عقود أو قرون معبّرة عنه، بعدما جسّدوا من خلال أعمالهم الإبداعية خصوصية شهر رمضان المبارك، لا سيما في مصر، باعتباره أحد الأشهر والمواسم الإسلامية التي تستمد تفرّدها من تاريخ طويل من العادات والتقاليد الإجتماعية. فشهر رمضان بما يحمل بين طياته من عبادات وعادات كانت من أروع محفّزات الإبداع لدى الفنانين التشكيليين من شتى بقاع الأرض، حيث بهرت أجوائه العديد من العالميين منهم، خاصة المستشرقين، حيث كانت مظاهر الاحتفالات الشعبية المتوارثة مصدر إلهام لهم وللوحاتهم. وبمناسبة الشهر الكريم، نتناول بعض تلك الأعمال والفنانين الذين جسّدوا الأجواء الرمضانية من خلال ريشتهم السحرية. وقد بدأ تفاعل الفنانين مع مظاهر رمضان منذ قدوم المستشرقين والرحّالة في العصور الوسطى فلم يستطيعوا إغفال هذه المظاهر أو تجاهلها فقاموا برصد تفاصيل عادات الناس في هذا الشهر، ومن ذلك العادات التي تبدأ عادة باستطلاع الهلال وتمتد لعيد الفطر ثم تتلاشى، وقد رصدت لوحاتهم بالتفصيل استطلاع الهلال والمسحراتي والصلاة وحلقات قراءة القرآن الكريم وزينة الشوارع والمساجد وفرحة الأطفال وأعمال الخير من إطعام وصدقات، والنور الذي يملأ الطرقات ليلا تنشره الفوانيس الملونة حتى بزوغ الفجر.. حيث رصدوا كل هذا ووثّقوه في لوحاتهم الخالدة ليحفظوا لنا الماضي وينقلونه لنا...

****

• المستشرقون: كما أسلفنا فإن المستشرقين أول من بهرتهم أجواء الشهر المبارك، فعبّروا عنها ليرصدوا العديد من المظاهر التي لفتت نظرهم، ومنهم الرسام الفرنسي جان ليوم جيروم (ولد عام 1824 ورحل عن عالمنا عام 1904)، الذي قدّم لوحة بعنوان «الصلاة في المسجد»، جسّد خلالها مجموعة من المصلين داخل مسجد عمرو بن العاص في القاهرة في أحد الليالي الرمضانية، بملابسهم التي تعكس طبيعة الأزياء في تلك الفترة الزمنية. كما قدّم جيروم، لوحة فنية بعنوان «المؤذن» عام 1866، إذ رسم الفنان المدن القديمة، وقد ابتعد الفنان عن الألوان كالأحمر مثلا وباقي الألوان الساخنة لأنها تشير إلى تحقيق الحرية وهذا غير مناسب لهذه اللوحة التي أراد الفنان أن يبرز فيها الروحانيات لطبيعة المؤذن. ومن أبرز اللوحات المعبّرة عن الشهر الكريم أيضاً، لوحة «صلاة الصباح»، وهي تنتمي للوحات الاستشراقية، للرسام النمساوي لودفيج دويتش، الذي عبّر عن استحضار قوي ونبيل لشعائر ودين العالم الإسلامى، حيث إنه صوّر رجلاً مستغرقاً في التأمّل باتجاه القبلة. ونذكر أيضاً الفنان الانكليزي والتر فريدريك الذي جسّد مظاهر الشهر الكريم في شوارع القاهرة الفاطمية، حيث نجد المارة وقد تجمعوا حول بائعي البضائع الخاصة بهذا الشهر، إذ أن الأسواق الشعبية في رمضان، تُعدّ نبع خصب للفنان التشكيلي بمظاهرها المتعددة وغزارة ألوانها المتداخلة في شبه مهرجان شعبي يومي. وقدّم الفنان الأميركي لويس كومفورت تيفاني، لوحة تظهر فيها قلعة ومسجد محمد علي من الخارج وحولهما عدد من القباب والمآذن الخاصة ببعض المساجد المحيطة بمنطقة القلعة. أما الفنان الإيطالي البرتو باسيني، فقدّم لوحة لسبيل وكتاب رقية دودو بشارع سوق السلاح بالقاهرة، ويعتبر ثالث سبيل في العصر العثماني تم بناؤه لامرأة. كما شغف الفنانون التشكيليون على مرِّ الأزمان بمهنة المسحراتي أحد أهم مظاهر هذا الشهر والمهنة الوحيدة، التي يعمل المشتغلين بها شهراً واحداً فقط كل عام، حيث جسّد العديد من الفنانين تلك المهنة في لوحاتهم منهم الفنان لويس جون انديس الأميركي الذي زار المغرب وصوّر المسحراتي، ذلك الدرويش المغربي و قد بدت عليه ملامح الزمن، مرتدياً الأزياء الفلكولورية ذات الألوان المبهجة وتغطي رأسه عمامة وطربوشا أحمر وهو ما كان متبعا في أزياء دول شمال إفريقيا.

****

• التشكيليون العرب: تأثّر الفنانون العرب المعاصرون بنفس المظاهر التي تأثّر بها فنانو العصور الوسطى، فالفنان هو الفنان مهما تطوّر الفن التشكيلي أو تعدّدت أساليبه ومدارسه، يظل يتأثر بما يحيط به ويظل مرآة المجتمع من حوله. فعندما نأتي الى مصر نجد ان لهذا الشهر الفضيل مذاق خاص فقد استلهم الفنان التشكيلي المصري منه أبدع اللوحات. على سبيل المثال، يقدم الفنان التشكيلي المصري محسن أبو العزم أجواء رمضان ببصيرة نافذة في المجتمع المصري الذي يتسم بروح رمضانية معيّنة. واستطاع أبو العزم نقل تلك الروح في عدة لوحات، مثل المسحراتي وبائع الكنافة وغير ذلك من أعماله التي تجعل المشاهد يتشوّق للشهر الفضيل. ونرى في لوحته «المسحراتي» طفلا صغيرا يحمل فانوسا يمشي بجوار جدّه أو أبيه المسحراتي في أجواء ليلية لكن مليئة بالبهجة والزينة الرمضانية. وكعادة أبو العزم في لوحاته يركّز على البنية الجسدية لشخوص اللوحات بشكل كاريكاتيري يدفع المشاهد للابتسامة، كذلك يظهر المسحراتي وحفيده في بيئة شعبية، وهي الثمة الغالبة على أعمال أبو العزم الذي يميل إلى الأحياء الشعبية والقديمة لنقل روح مصر وتراثها. نفس الحال في لوحته «بائع الفول» التي يظهر فيها جمع من الناس حول عربة فول وزينة رمضان والفوانيس معلقة فوقهم في أجواء رمضانية مصرية واقعية. ويعتمد الرسام هنا على روح الحارة المصرية أيضا لنقل واحدة من العادات التي لا يغفل عنها المصريون أبدا في رمضان، وهي الفول المدمس كوجبة أساسية ملازمة للسحور. أيضا قدّم الفنان محمود سعيد لوحته الشهيرة التي تحمل عنوان «الصلاة» رسمها عام 1934، وحيث إنه رصد صور للعديد من المصليين وهم في حالة خشوع. بينما قدّم الفنان التشكيلي الشهير «تاد» الرسام بمجلة «صباح الخير»، عدة أعمال تصوّر الحياة اليومية للبسطاء بالقاهرة في الأحياء الشعبية بلمسة تعبيرية تخاطب الوجدان. كما قدّم الفنان الحسين فوزي لوحة «السقا» نظراً لأن الصوم يرتبط بالمشروبات المتنوعة. وهناك لوحة الفنان حسن سليمان الذي جسّد الأجواء الرمضانية في قاهرة المعز وفنان الباستيل محمد صبري الذي قدّم العديد من اللوحات للقاهرة الفاطمية، وصوّر الفنان صلاح بيصار لوحته المميّزة للمسحراتي مرتديا ملابس ألف ليلة وليلة، كما برع فنان الباتيك على دسوقي في تصوير الأطفال وقد حملوا فانوس رمضان في احدى الحارات الشعبية وظهرت الزينة الرمضانية معلقة أعلى المنازل، وأيضا صوّرت الفنانة نجاة فاروق الزينة الرمضانية بألوانها المبهجة للتعبير عن مشاعر تثيرها تلك العادات في نفس الفنان التشكيلي، وجاء الفنان جورج بهجوري بلوحة عبّر فيها عن أجواء الشهر الفضيل وهي لمائدة الرحمن. ومن الفنانين العرب الذين برعوا في نسج لوحات روحانية بديعة حملت بخطوط انسيابية وألوان معبّرة ووضعيات رمزية، الفنان الليبي عبد الرزاق الرياني والتي عبّرت عن المسحراتي بزيّه الليبي الشهير وهو يجوب في شوارع مدينة طرابلس القديمة. كما صوّر الفنان العراقي وليد شيت لوحة للمسحراتي وهو يحمل طبلة كبيرة يجوب بها شوارع الموصل.

****

على مرِّ العصور كانت أجواء شهر رمضان المبارك، باعثاً قوياً على الابداع في شتى مجالات الفنون، وكان للفنان التشكيلي، الذي يُعدّ مرآة مجتمعه، معين لا ينضب من الإلهام، حتى بات لدينا الكثير من اللوحات الفنية التي أبحرت بين البُعد الروحاني والطقوس والعادات الإجتماعية التراثية والشعبية، لتوثّق من خلال تلك اللوحات (كمادة بصرية) الأجواء الرمضانية عبر التاريخ. 

* إعلامي وباحث في التراث الشعبي