بيروت - لبنان

اخر الأخبار

28 شباط 2025 12:00ص تراث رمضان (1): ظهور «الإمساكية» لأول مرة في عهد محمد علي وطوّرها وروّجها تاجر يهودي

حجم الخط
قبل التطوّر التكنولوجي وإبتكار أشكال مختلفة للتنبيه الى المواقيت والمواعيد، كانت «إمساكية» رمضان، حاجة وضرورة، كونها تشكّل دليلاً للصائم والمصلي خلال أيام الشهر الكريم، حيث تحتوي على أيام الشهر الفضيل مع مواقيت الصلوات الخمس وموعد الإفطار وبدء موعد الإمساك عن الطعام، قبل أن تتحوّل مع الزمن إلى واحدة من طقوس الشهر الفضيل، حيث تتبارى مختلف المؤسسات الدينية والتجارية والإعلانية في إعداد ونشر إمساكيات شهر رمضان.
وتسمية «إمساكية» جاءت إشتقاقاً من الكلمة العربية إمساك، التي تعني توقف الصائم عن الأكل والشرب في نهار رمضان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
وعلى مدار التاريخ كانت إمساكية رمضان لوحة فنية مرسومة ومطبوعة بعناية فائقة، لا سيما الرسومات والزخرفات والخطوط التي تتميّز بها، لتزيد من جمالياتها ورقيّها الفني والإبداعي...
فما هي الإمساكية وكيف ومتى ظهرت؟
*****
• أولى الإمساكيات في مصر:
لا تتوفر أي مراجع تاريخية توثّق أو تحدّد متى ظهرت أولى «الإمساكيات» في التاريخ، إذ تكاثرت الأقوال والآراء حول أول «إمساكية» فى التاريخ، لكن المرجح وفقاً للباحثين أنها ظهرت لأول مرة في مصر في عصر محمد علي باشا، ويعود تاريخها إلى رمضان سنة ١٢٦٢ هجري، سبتمبر/أيلول ١٨٤٦ ميلادي، أي قبل أن يفارق الحياة بعامين، وطبعت في «دار الطباعة الباهرة» الكائنة ببولاق مصر - القاهرة على ورقة صفراء ذات زخرفة بعرض 27 سنتيمترا وطول 17 سنتيمترا، وكُتب في أعلاها أول يوم رمضان الاثنين، ويرى هلاله في الجنوب ظاهراً كثير النور قليل الارتفاع، ومكثه خمس وثلاثون دقيقة ومرفق صورة محمد علي باشا، وكانت تُعْرَف بـ «إمساكية ولي النعم».
وكانت وقتها «الإمساكية» عبارة عن جدول كبير به مواعيد الصلاة والصيام لكل يوم من أيام شهر رمضان بالتقويم العربي، وتم توزيعها على كل ديوان من دواوين الحكومة، مع أمر لكل الموظفين بعدم الكسل والإهمال في العمل وعدم التراخي في توزيعها.
*****
• تطوّر الإمساكية:
تطوّرت «إمساكية» رمضان مع مرور الزمن على صور وأشكال مختلفة، فكانت أول «إمساكية» يتم توزيعها على سبيل الدعاية والإعلان «إمساكية» (مطبعة تمثال النهضة المصرية) لصاحبها محمود خليل إبراهيم في شارع بيبرس الحمزاوي في رمضان من العام 1347 هجري الموافق فبراير (شباط) من العام 1929 ميلادي.
وأعلن في الإمساكية استعداد المطبعة طباعة كافة الكتب.
وفي أوائل القرن العشرين استخدمت «الإمساكية» في الدعاية والإعلان عن المحال أو الجهات التي تصدرها.
*****
• يهودي يطوّر الإمساكية ويروّج لها:
بعد ذلك، انتقلت «الإمساكية» لمرحلة الإعلان التجاري عن المنتجات والبضائع على يد رجل الأعمال اليهودي داوود عدس، الذي طبع أول «إمساكية» لسلسلة محلاته في رمضان سنة 1364 هجرية الموافق أغسطس (آب) من العام 1945، لكن اختلفت «إمساكية» داوود عدس عن غيرها كون أنها كانت «إمساكية» مرفقة بمعلومات عن الصيام وفضله وأسباب فرضه. وأسفل كل هذه المعلومات إعلان دعائي لمحله وتوفر البضائع فيه.
و«إمساكية» رمضان التي طبعها داوود عدس تعتبر الملهمة لأغلب «إمساكيات» رمضان ذات الورق المتعدد، حيث طوّرت طباعة «الإمساكية» بعد ذلك من أحد تجار العطارة سنة 1356 هجري الموافق نوفمبر (تشرين الثاني) من العام 1937 والتي إحتوت على أحكام الصيام والأدعية والآيات القرآنية وأذكار الصباح والمساء وأحكام زكاة الفطر وأجندة ومواعيد.
*****
• أول إمساكية تنشرها «الأهرام»:
نشرت جريدة «الأهرام» في رمضان عام 1936 ان أول «إمساكية» لإعلام الناس بمواقيت الصلاة والصيام والإفطار كان في يونيو (حزيران) 1918.
وفي عام 1931 أهدت «دار الكتب المصرية» جريدة «الأهرام» «إمساكية» أخرى لشهر رمضان مكتوبة على قطعة من القماش ومجلدة تجليداً بديعاً، صنعتها «مطبعة أمين عبد الرحمن» بشارع محمد علي.
*****
• إمساكيات ملوك مصر:
من أشهر المطابع التي قدمت إمساكية رمضان، «مطبعة تمثال النهضة» المصرية لصاحبها محمود خليل إبراهيم بالحمزاوي، وقد بدأت في طباعتها عام 1929م، الموافق 1347 هـ.
وفي ديسمبر (كانون الأول) 1932 صدرت «إمساكية» شهيرة صنعها تاجر الطرابيش عبد الحميد أحمد الطرابيشي، وطبع على غلافها صورة الملك فؤاد الأول ملك مصر آنذاك، وكتب عليها (في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق).
أما في عام 1936، ومع بداية تنصيب فاروق الأول ملكاً على مصر، كان بداية حلول شهر رمضان، مما جعل اهتمام الملك بمظاهر الشهر الكريم تبدأ بأن يوجه كلمة تهنئة إلى الشعب المصري عن طريق الإذاعة، لتظهر مع بداية عام 1937 «إمساكية» رمضان تحمل صورة الملك فاروق، ذلك (الصبي) الذي كان وقتها لم يتجاوز السابعة عشر عاماً.
وقد أنتجت شركة صابون نابلسي شاهين إمساكية تحمل صورة كل من الملك فاروق والملك عبد العزيز ملك السعودية.
*****
كانت إمساكية رمضان من زمان إلى الآن دليلاً على مدى وجاهة ورقيّ صاحبها سواء أشخاص أو شركات أو جمعيات، وكانت تؤرّخ للعصر الذى صدرت فيه من ناحية التقدّم في الرسم والطباعة والفكرة. ومع التقدّم التقني الحالي تحوّلت «الإمساكية» الورقية الى تاريخ وحالة من الزمن الجميل يحرص الهواة على إقتنائها بعدما أصبحت الهواتف الذكية بديلاً عنها وعن أمور كثيرة في حياتنا...
*****
* إعلامي وباحث في التراث الشعبيw