بيروت - لبنان

اخر الأخبار

26 تشرين الثاني 2025 12:00ص توقيعات الشاعر الفلسطينيّ عزّ الدّين المناصرة

حجم الخط
د. وفاء مرزوق(*)

أن يوقِّع الشاعر شعريّاً، هو أن يشهد بقصيدةٍ ما على أقواله فيها، أن يُكثّف اللّحظات ويَختصر الجُمل والزمن والمسافات في قصائد مُختزَلة ولمحاتٍ موجَزة، وكأنّه يلتقط الكلمات بحواسّه كافّة ليخطَّ بها إمضاءاتٍ سريعة على مشاهد مرئيّة وحسيّة تمرّ به على عجل، أو هي ومضات مكثّفة ومركّزة دامغة وكاشفة كأختامٍ ضوئيّة في سجلّات الحقيقة الكونيّة التي يقدّمها من عُمق خبرته الحياتيّة وعَيشه الإنسانيّ. ذلك ما كان يفعله الشاعر الفلسطينيّ الكبير عزّ الدّين المناصرة في توقيعاته حين كان يَرفع مع كلّ مجموعة شعريّة يُصدرها تقريباً، توكيداتٍ جديدة لِما كان يعتبره ضمناً شهاداتٍ حيّة على إنسان هذا العصر وتحوّلاته.
التوقيعات كما كان يؤكّد المناصرة على هذه التسمية تحديداً، خلافاً اللهايكو والتانكا في الشعريّة اليابانيّة، وكذلك الإيبيغراما اليونانيّة، تيمُّناً منه بهذا النمط الشعري الذي كان رائجاً في العصر العبّاسي كما يقول، وله طابعه العربي الذي يميّزه.. هي، بترجمةٍ أخرى، توسيماتٌ شعريّة ذات دلالة عالية على أفكار صاحبها ونزعته الإنسانيّة، تصوِّر اللّحظة أو الفكرة التي تدور في خاطر الشاعر والتي يدركها بعقله ووجدانه ليُفرِغَها في عبارات النصّ المكتوب شعريّاً أو نثريّاً، وكأنّ ذلك يشبه إلى حدّ ما المُشاهدات أو المُكاشفات لدى المتصوّفة على حدّ قول محمّد بن عبد الجبّار النفّري الشهير: «كلّما اتّسعت الرؤية ضاقتِ العبارة»، فالشاعر يرى ما لا يرى غيره، وهو يريد هنا أن يَجعل من كلماته المُختصَرة طابعاً أو مُلصقاً بكلّ الرمزيّات التي يحملها، ويريد أن يُسجّل حالةً هي في نَظَرِهِ غير عابرة وتَستوجب التركيز والإخراج من حنق الضيق إلى أُفق الحريّة والنور.

إشاراتٌ ضوئيّة وشراراتٌ ملتهبة

بَدأ عزّ الدّين المناصرة (1946 - 2021) بكتابة توقيعاته منذ مجموعته الشعريّة الأولى الصادرة في العام 1968 (كُتبت بين 1964 و1968) حيث تفطَّن باكراً لهذا النَّوع الشعريّ الذي يُلائم طابعه الثوري بخاصّة، الساخر حيناً والعاطفي أحياناً أخرى.. المناصرة الذي وُلد في فلسطين وتَرعْرَع في الخليل، ومنه انطلقَ إلى العالَم، كان مولعاً بالأرض وتلال العنب والزيتون ومُتخَماً بنشيد الثورة والغضب؛ وكان أيضاً شاعراً مُستلَباً بمرابع الهوى الكنعانيّ الذي سَكنه منذ طفولته الأولى، وعليه جاءت توقيعاته ممزوجةً بنكهةٍ عربيّة فلسطينيّة كنعانيّة مؤسْطَرة بتاريخ المنطقة العريق والمميَّز بالشعريّة العربيّة الطاغية على الجميع، وفي الطليعة بينهم الشعراء. يقول مُفتتحاً قصيدته «قِفا .. نَبْكِ» من مجموعته «يا عنب الخليل»:
«يا ساكناً سقْطَ اللّوى/ قد ضاعَ رسْمُ المنزلِ/ بين الدَّخول فحَوْمَلِ»
هذه التوقيعة المُقتضَبة والمكوَّنة من ثلاثة أسطر، كما هو واضح من نصّها، جاءت كافية لوصف المَشهد المروِّع والحزين لاختفاء المنزل وكأنّها إسقاطٌ مباشر لقصيدة امرئ القيس في زمن الحرب التي حوَّلت الحياةَ إلى أطلالٍ والشعرَ إلى بنادق تُنادي بعضها البعض وتتآزر في ما بينها لصدّ الطغيان كما يقول في توقيعة مشابهة رباعيّة الأسطر اتَّخذت موضعاً آخر من القصيدة نفسها:
يا ساكناً جبلَ الخليلِ/ جَهِّز سلاحكَ من علِ/ وامدِد ذراعكَ للجليلِ/ يشتاق قلبُ الكرملِ
فالتوقيعة إذاً هي شموليّة الفكرة وطبعتها المميّزة، والتي يُمكن استقراؤها من فَهْمِ النصّ الشعريّ وليس بالضرورة فصلها عنه أو ترقيمها. بل هي وحدة قائمة ومُكتملة بذاتها متى وُجدت وأينما حَلّت، طالما أدّت غرضَها الشعريّ وتركتْ بصمتَها. والتوقيعات بهذا الشكل بمثابة بصمات الشاعر الظاهرة التي تُميّز نصوصه الشعريّة كما يُمكن تمييزها من خلالها.
وهكذا اتَّخذ عزّ الدّين المناصرة اتّجاهه في التوقيع وبقيَتْ روحُهُ تهيم في أرض الخليل تَرقب الأرضَ والناسَ والدّارَ وتسأل عن أحوالها:
في آخر الزمان/ قد يَنطق الحديد والفخّار/ وكيف حال الدار/ عامرة بأهلها
لعلّها/ أم حلَّ في جدرانها الدمار
وبنقوشٍ كنعانيّة راسخة كان يحيل إليها مُعلناً انتماءه الأبديّ الذي لا يزول ولا تمحوه الريح:
شجر الحور بكى حين رآني/ كنتُ قد لمْلَمْتُ أشيائي/ وأعدَدْتُ الحقائب/ وتركتُ الدارَ تَنعي مَن بَناها
ورأيتُ الحزنَ في صمْتِ الخرائب/ يَلعب الديكُ عليها/ ويَصيح الشجرُ المُتلفُ في اللّيل الصموت/ يَسأل الأطلالَ عن آثار جدّي/ تحتها كلّ شهادات الثبوت/ نقشوها في صخورٍ غَمَرَتْها الريح/ في صلب الترائب.

من منفىً إلى منفىً

يَكتب المناصرة توقيعاته بقلبٍ ثائر وعاشقٍ للأرض وللحريّة، وإنْ اعتلَتْهُ نبرةُ السخرية أحياناً، فهو يَستخدمها غالباً للتعجُّب أو الاستفهام أو لإبراز المُفارقات بين الأشياء في أبعادها المُختلفة، وهو يَكتب حاملاً هَمّاً سياسيّاً وثوريّاً تَشي به جلّ نصوصه، يَظهر ذلك جليّاً في عناوينه: «يا عنب الخليل» و«الخروج من البحر الميّت»، «مذكّرات البحر الميّت»، «قمر جَرش كان حزيناً»، «بالأخضر كفّناه»، «جفرا»، «كنعانياذا»، «رعويّات كنعانيّة»، «لا أثق بطائر الوقواق» و«لا سقف للسماء»، إلى جانب دراساته النقديّة التي تؤكِّد نَبرتَهُ الشعريّة الكنعانيّة المميَّزة وميولَه الثوريّة الغالِبة.
يقول في أشهر توقيعاته ساخراً، والسخرية هنا ليست للتسرّي السطحي، وإنّما لإظهار العُمق المُمتدّ والمُتجذِّر في أرض الوطن، على الرّغم من غياهب المنافي ودوّامة الغربة، فليس من منفىً آمن بغربته ولا غربة تَصلح لأن تكون وطناً:
رجعتُ من المنفى/ في كفّي خُفُّ حنين/ حين وصلتُ إلى المنفى/ سرقوا منّي الخُفَّيْن.
وفي توقيعةٍ أخرى:
أَطلعني أبي على وصيّته/ كان نصيبي منها... أيّها السيّد/ رسالة... تتنبّأ لي، بمنفىً جديد/ منفىً جديد، أيّها السيّد
عاشَ عزّ الدّين المناصرة متنقّلاً بين دولٍ عدّة، وكانت إقامته في دولٍ عربيّة بمثابة محطّاتٍ مُتعاقبة شكَّلت سيرته وأعماله، بدءاً بالقاهرة (1964 - 1970) التي تخرّج منها طالِباً في مرحلة اللّيسانس في العام 1968.. ثمّ نَيْله درجة الدكتوراه في النقد الحديث والأدب المُقارن من جامعة صوفيا في العام 1981 إلى غاية حصوله على البروفسوريّة من جامعة فيلادلفيا الأردنيّة في العام 2005، وكان قد أَسهم قَبلها في العديد من الأعمال والنشاطات الثقافيّة، إلى جانب انضمامه إلى صفوف المقاومة الفلسطينيّة، حيث تنقّل بين الأردن ولبنان والجزائر، ثمّ عودته إلى الأردن في العام 1991 إلى حين وفاته في العام 2021.
كانت حياة المناصرة حافلةً بالإنجازات، غير أنّ عَيْنَهُ لم تَحِد لحظةً عن فلسطين؛ لذلك كان يَشعر دائماً بأنّ المنفى الحقيقي هو إبعاده القسري عنها، وأنّ كلّ فلسطينيّ مُبعَدٍ عن أرضه هو مَنفيٌّ عنها مع سَبْق الإصرار والترصّد:
أَبحرنا في المنفى... والمنفى قفرٌ ملغوم/ البحرُ يُنادينا، والشطُّ الصخريُّ المعلوم/ يتخلخل قلبي لصهيل الروم/ ووراء الروم الروم... الروم/ فلأيّ الطعناتِ تُوجِّهُ وجهكَ يا مهزوم/ وبأيّ الساحات تحوم/ بدلتكَ الحيّة رقطاء الظهر/ ووصولُكَ للبحر، أكيدٌ محتوم/ ما زالت عكّا واقفة، رغم هدير البحر/ رغم بلوغك سنّ الغربة والقهر.
وكذلك هو الحال مع ملامح الهويّة المشروخة بفعْل الاحتلال والاغتراب، يُصوِّر في هذه التوقيعة التي تبدو أطول قليلاً، كما في بعض التوقيعات التي جاءت مطوَّلة نوعاً ما، شدّة ارتباطه بالأرض وهذيانه بها ومعها في رحاب الأبديّة، حيث تعلو تراتيل وترانيم بين هوّة المنفى وفي أعالي الجبال وخَلف السفوح:
يا إلهي، لم أعُد أعرف في اللّيل/ بأنّ المشمش البرّيّ يهذي في رحاب الأبديّة/ غامضاً مثل الوضوح/
غامضاً كان يصلّي في جبال المجدليّة/ يتجلّى في العلالي خَلف رهبان السفوح/ وأنا ما زلتُ أهذي وأغنّي/ غامضاً كالشمس، مشروخ الهويّة.
في ما يُشبه النداءات الخفيّة للروح ترتَسم تواقيع أخرى تعتليها نبرةُ الحنين والحسرة على ضياع العُمر والأحلام والأُمنيات في زمن الحرب الصعب، فكَم من إنسانٍ قتلته الحرب وهو لا يزال حيّاً يعيش على ذكرياته وأطلاله وصورٍ من الماضي البعيد:
الأغاني التي أنْجَبَتْها خطاي/ سقطتْ في الكهوف/ يا رنين السيوف
*****
الأماني التي صغْتُها في الصبا/ ضيَّعتها الدروب/ يا زمان الحروب
*****
يا حمام العلا/ يا حمام البروج/ كيف حال القرى بَعدنا/ وزمان تراشُقِنا بالثلوج
عزّ الدّين المناصرة ظلَّ هو.. هو ينادي للجبال والقرى والأشجار والخيول التي تحمله إليها، لقمرِ فلسطين وللحُلم الذي يعود به كلّ مرّة إليها.
يا خيولَ الجبال التي لا تنام/ يا كرومَ المطر/ أنتِ لي مُهرةٌ كالقمر/ أنتِ لي فَرَسٌ جامح في المروج/ يا خيولَ الجبال التي لا تَلين/ يا خيولَ القرى في غبار الغجر/ كلّهم باطلٌ في البلاد التي تَحلمين/ اللّيالي هنا علّمتني السهر/ اللّيالي هنا علّمتني الحنين/ يا خيول الجبال التي لا تلين/ كلّهم باطل في البلاد التي تحلمين.

تجلّيات.. وخربشات

كان لا يَنفي جنونَه الشعريّ، ولا يلغي عواطفه تماماً، إنّما جاء معظم نتاجه مطبوعاً بالأرض ومُقاوَمة المُحتلّ، وهو على كلّ حال مَدين للحبّ بقلبه النّابض والمُواظب في حلّه وترحاله على تدوين نبضاته وخواطره وإيماءاته، فهو شاعر أَحبَّ أرضَه وشعبَه، كما أَحبَّ الشعر وتغنّى بالطبيعة والكلمات المنذورة للغَزَلِ الوجدانيّ من دون تكلّفٍ أو تعمُّد:
مرّةً.. خربشتُ فوق الحائط المجنون/ في السورِ السفيه/ جملةً في الحبّ، تمشي/ مثل أغصان الموشَّح/ في صباحٍ كان في اليوم الذي كان يليه/ جئتُ كيما أقطف الموّال من زهرٍ تَفتّح/ كانت الحيطان ترشح.
وفي توقيعاتٍ أخرى يُسجِّل عواطِفَه منسجمةً ومتناغمةً مع الطبيعة البِكر، فالمرأة وردة وشجرة وسماء لا حدود لها، كما هي الطبيعة أنثى حسناء تُغازِل شغاف القلب وتَستلّ مفرداته:
لا تقلْ لامرأة.../ كَم يبلغ الورد من العمر/ إذا كان السؤال/ أزليّاً وعتيقاً كالجبال
*****
لا تقلْ للشجرة/ أيُّ أغصانِكِ أجمل؟/ إنّما مشِّط لها الروحَ وأهدابَ الرموش/ وتَغزّل
*****
لا تقلْ للسماء/ أنتِ زرقاء الرماد/ قلْ لها ... صافية كالنبع في أوّله.../ قَبل الحداد
ولعلّ هذه التوقيعة تُظهر مدى حساسيّته ومدى الحصار الوجداني الذي كان يعيشه:
رصاصهم فوقي/ وملء حلقي الماء/ في حارة الأرمن/ وقفتُ كالأرعن/ أُغازل النساء
أمّا قلبه، فبقي مع الثورة والثوّار محفوراً على سور بيتهِ ومدينتِه مُتشبّثاً بكلّ ما فيها وما يحمله إليها:
تختلط الظلمة بالنور/ في هذا الوطن المخمور/ مع هذا يا حبّة عَيني/ قلبك محفور في السور
*****
أتيتك من سفري في البلاد/ وجوعي على باب أحرارها/ مدائن نامت بنوم الرؤوس/ وقلبي على نار ثوّارها.

تفقُّد دَور الأهل والأحباب

وهكذا استمرَّ صاحب «يا عنب الخليل» و«لا سقفَ للسماء» في رسْمِ توقيعاته وختْمِها على أسوار المُدن الفلسطينيّة كشهاداتٍ دامغة حيّة لشاعرٍ عاشَ قضيَّته الأولى وماتَ في سبيلها وهو يُعلي صوته ويَصدح بكلماته ورؤاه.
وفيما كان يُصوِّب طلقاته نحو العدوّ، كان الشاعر المناصرة ينشد أغنياته الكنعانيّة مُحلّقاً فوق القرى والمروج والجبال، مُتفقّداً دُورَ الأهل والأحباب ... لكنّ الحرب لم تَترك أحداً على حاله:
زَرعوا الأحجار السوداء/ أَكلوا ذهب الغياب/ وزرعْنا عِنباً... وهضاب/ فلقينا موت الأحباب
*****
رحلَ الأحباب بقيتُ هنا وحدي/ صرتُ يتيماً كالنخلة في الصحراء
*****
عند باب القدس ماتت جدّتي/ وهي تَحكي لشُجيرات العنب/ عن زمانٍ سوف يأتي/ وعلى خدّيْه شامات الغضب
في الزمن الذي سيَلي مع قبور الراحلين، كم من شهيدٍ سوف نؤبِّن، كم من غيابٍ سوف نَشهد، كم من وقتٍ سوف يَمضي ... أو ربّما كنّا سنَمرّ لنضعَ زنبقةً على قبْرِ شهيد ونتلو صلاةً وشِعراً ولَو بعدَ حين:
بعدها... ذات صباحٍ ستمرّون على/ بعضِ قبورِ الراحلين/ تقطفون الزّنبقَ البرّي والنعمان، مصبوغَ الشفاه/ وتصلّون صلاة الأنبياء/ وتغنّون أغاني الشهداء/ وأناشيد وشعراً... لم تقله الشعراء.

(*) كاتِبة وأكاديميّة جزائريّة
(يُنشر هذا المقال بالتزامن مع دورية «أفق» الإلكترونيّة الصادرة عن مؤسّسة الفكر العربيّ)