يقول المؤلف في مقدمة كتابه: «إنّ تعوّد علماء الآثار والمؤرخين والباحثين الكتابيين زمناً طويلاً على النظر إلى الكتاب* على أنه تاريخ، وفهمه في الوقت نفسه تراثاً فكرياً ثريًّا من الناحية الدينية وأساساً لكلٍّ من اليهودية والمسيحية، قد منح وجهة النظر هذه سلطة تتجاوز المعقول»؛ يأخذ هذا الإعتراض الذي أثيره على تلك الرؤية للكتاب اتجاهاتٍ ثلاثة، أولاً: إن الكتاب يصنع تاريخاً رديئاً؛ فما نعرفه حول هذا التاريخ وما يمكننا إعادة بنائه من الأدلة الأثرية يُظهر تاريخاً لسورية الجنوبية مختلفاً جداً عن القصص الكتابية. إنَّ قصص الكتاب وأناشيده لا تخبرنا عما حدث في فلسطين في أيِّ عهد؛ بل تخبرنا كيف كان الناس في هذه المنطقة تفكر وكيف يكتبون. فالسؤال حول تاريخية ما إذا من الممكن أن تكون القصص الكتابية حدثت في الماضي، يتطلب أن يدعم بالأدلّة والسجلات المعاصرة للعهود التي نصفها في كتابتنا للتاريخ [....]
من هذا المنطلق يأتي هذا الكتاب «الماضي الخرافي.. التوراة والتاريخ» حيث يحاول المؤلف تسليط الضوء على ما جاء في التوراة، مبيّناً أنَّ كثيراً من الحكاية والشعر الكتابيين يضع امتلاك الأرض والأمة بين موضوعاته الأكثر مركزية، مؤكداً انّ ثمة القليل جداً من الأحياء اليوم ليست لديهم فكرة عن مدى هذين العنصرين من الكتاب بالنسبة إلى السلام والحرب في فلسطين، وذلك منذ نهاية الحرب العالمية الأولى عندما تحوّل السجال إلى تساؤلات بخصوص: لمن أعطى يهوه هذه الأرض أولاً، أو كيف يمكن استخدام قصص الكتاب لتسويغ القرارات والسياسات التي هي عندما تقع في التاريخ وليس في القصة... تعدّ جرائم بحقّ الإنسانية. وهنا يتضح، وكما يشير المؤلف، إلى أنّ القارئ هو أحوج إلى النظر «بشكلٍ أكثر إلى إله هذه القصة الذي يستمرّ في التأثير في حيواتنا»[...]، معقِّباً بأنّ ما يتم تدوينه في الكتاب المقدس هو الدافع لوجود الكراهية بين البشر ويشكّل أصول ذاك الشكل من الكراهية، الذي دعاه بالإثنية. وعليه، وهنا الأهم، فإنَّ على اللاهوتيين البدء بتحمّل المسؤولية عن القِيَم التي تُنسب إلى الإلهي أيضاً... «فالإثنية أدّعاءٌ بشريّ.. كذلك فكرة الإله الكوني، إله العالم، بكامله الذي من نافلة القول، الإعتقاد أنَّه يختار شعباً على حساب شعبٍ آخر»[....] وعليه، يقول مؤكداً، أنَّ ثمة أفكاراً مسؤولة عن جرائم أكثر جرّاء هذا المفهوم الدينيّ الحصريّ للإثنية مبيّناً أنه ليس بإمكانه تخيّل فكر واحد اختلقه البشر أكثر دموية من الناحية التاريخية من هذا المجاز الموجّه عائليّاً لأمة مع إلاهها؛ فالمناخ السياسيّ المرعب للشرق الأوسط يقنعه بأنّ هذا السجل حول الإثنية وروح إله سجلٌّ هو من الأهمية بمكان في تأثيره السلبيّ على ما يجري في الشرق الأوسط؛ وحصريّاً في فلسطين... وإلى ذلك يمكن القول بأنّ منطلق المناقشات التي شكّلت محور هذا البحث؛ هو طبيعة اليهودية المبكرة كما كرّسها التراث الكتابي اليهودي على أن الشعب اليهودي ليس أمة من بين أمم هذا العالم... بل هو شعب الربّ.. وعليه وكما يرى الباحث؛ بأنّ كتاب التوراة هو كرّاسٌ دعائي خلاصيّ, فهو يستخدم قصصاً حول ماضي مخذول وقصص شعبٍ ذي طموحات قومية أرضية لرؤية أكثر شمولاً حول شعبٍ يراه بمنظاره.. أكثر عدلاً وأكثر إنسانيةً.. وينتهي الباحث إلى القول بأنّ اليهودية, وكما تعكسها معظم النصوص الكتابية؛ لم يكن لها جذور في مجتمع اثني حصريّ من الماضي. وهنا المهم إذ ان الباحث يراها حركة دينية وفلسفية كانت ترفض هذه العنصرية، هذا الأدب هو صوت فلسطين القديمة في العالم القديم، مشيراً بأنّ السلف لكلٍّ من المسيحية واليهودية التاريخيتين، اللتين اعتمدتا، كلًّا بدورها شكلين من الكتاب كوثيقةٍ أساسية لهذا المفهوم الضمني لهذا الكتاب (الكتاب المقدّس)، مضيفاً بأنّ هذا الكتاب ليس مسيحيّاً وليس يهوديّاً، أيضاً، مؤكداً أنّ كلتاهما غيّرتاه.. «وليس بالطريقة السطحية بالإضافة إليه أو الحذف منه؛ بل من خلال إعادة وجهات نظر الكتاب المقدّس... التي تمنح الإمتياز لكلٍّ منهما في فهمها الطائفيّ.. للماضي الإلهيّ»[...].
ضحى الخطيب
* الكتاب: بما يعني الكتاب المقدس