بيروت - لبنان

اخر الأخبار

31 كانون الثاني 2026 12:00ص حاكم مردان كتاباً حاملو الراية

حجم الخط
«لكن تلك كانت قضية سياسية مرتبطة بظروف الحرب الباردة آنذاك، بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، حيث كانت النرويج تشكّل رأس الحربة وخط الدفاع الأول للنظام الرأسمالي ضد الشيوعية السوفيتية، ولا تفصلهما سوى بضعة كيلومترات من الثلج، شمال البلاد».
الإنتماء هو الشغل الشاغل عادة، للمواطنين. خصوصا منهم هؤلاء الذين ذاقوا مرارة التيه، ولسعتهم الغربة بلسانها، يبحثون دائما عن الجذور، يريدون شفاء لعذابهم اليومي، يحاولون بالرواية عملا آخر، هو من نوع الطبابة بالأعشاب، أو بالطب العربي، أو بالطب النبوي. يتلمّسون الغربة بقماش الكتابة، وينسجون من الخيال، ما يرونه إنعكاسا في مرآتهم المتقعّرة، للواقع المرير المعاش والمقروء. إنه نوع من نثر التجربة، من أدبها، من شعرها، يفرغ الكاتب ما في نفسه من أحاسيس: يقول: إنه عاشها بألم، وتكبّد ضريبتها، وقتا وحياة وجوعا وملاذا.
حاكم مردان، هو من هؤلاء الكتّاب والروائيين الذين إنشغلوا حياتهم كلها، بالعيش، تحت شرشف الغربة، ينفض غبارها بين الحين والحين، ويجعل من الغبار الكثيف لبنة، يضعها تحت رأسه وينام، يحلم بتجديد الأيام القادمة.
«حاكم مردان. ثلاثية أوسلو. نلسن-2026. 360 ص. تقريبا».
تشي هذه الرواية، بأنها نسخة معدلة عن إتفاقية أوسلو، غير أن الكاتب نحا بها منحى آخر، حين جعل من عناوين الثلاثية: (حدث في شمال الأرض، جسر الحكايات، اللعنة)، ما يعادل «الماحدث» للشعب الفلسطيني، من إتفاقية أوسلو، إنها قطعة من العذاب والآلام، قطعها الشعب الفلسطيني حتى الآن، إنها الخيبة على جميع المستويات.
«أبدت سيغريد تفهّما لحاله وفكرت إن الوقت كفيل بتناسي ما حدث، لكن الأيام التالية وتكرار المحاولات التي تنتهي بالفشل، وجدت نفسها أن فعل الحب صار مدعاة للإحراج وعجزا عن ممارسة الحب، وكأن قدرتهما على الفعل أصابها الدمار نهائيا».
يذهب حاكم مردان هذا المذهب، في قراءته للواقع المعاش في أوسلو وبلاد النرويج، ينضح جرحا، أين منه الجرح الفلسطيني العميق، الذي رتبته عليه، تلك الإتفاقية المشؤومة، يسيل من غربته في أوسلو جرحا آخر، ويزيل على أرضها لمعان دم آخر، ويشيع في أجواء الرواية: الميؤوس المحسوس. إنها الرواية الموازية والمتخيّلة بأبعادها الثلاثية، لتلك الإتفاقية، التي مضت وإنقضت، وقضت بالتالي، على آخر خيط من خيوط العلاقة بالقضية.
«لم تكن صومعة راهب، بل غرفة حديثة الترتيب ولا شيء فيها يوحي بإنتمائها إلى المكان، حيث لا تصاوير على ورق البردي، ولا شمعدانات تضيء الحنايا، بل كل زاوية تملك إدارتها الخاصة، وكل قطعة أثاث تضيء نفسها».
حاكم مردان نسيج وحده، أدبا وشعرا ورواية ونقدا وفنا، إنعكس ذلك كله، في روايته الأثيرة: «ثلاثية أوسلو». قال فيها فنا، ما لم تقله إتفاقية أوسلو واقعا. ولهذا نذهب لقراءاتها، لتحسّس الجروح، القديمة منها والجديدة.
«إنتظرت نهارا وآخر، ثم أسبوعيا وآخر، وشهرا وأما، ولم يعد الأب يصنع أحذية له، فأدركت أنه صفق بجناحيه وطار وطار وطار، وما حاجة من لديه جناحان إلى أحذية!».
أدب رفيع من نوع العطر الذي يترك أثره عميقا في النفس، وتشتهي النفس، مرة بعد مرة تذوقه، على ورق الكتابة. ولا غرو، فقد تمرّس في صياغة العمل الأدبي، حتى أحسن القطاف، وموسم ثلاثية أوسلو، ربما لا يخدع: الحب والإنبهار والغربة القاتلة. ترى أليس في إتفاقية أوسلو، ما يعادل الثلاثية، أو ليس في الثلاثية ما يعادل الإتفاقية. خدعة السياسة وخدعة الرواية واحدة. ووحدهم حاملو الراية، ينقلون تجربتهم تعبا بها، من كتف إلى كتف، تماما كما البندقية.
«لكن سوق اللعنات بات رائجا، ومنه إنبثق فيروس أصاب دول الجوار، فأورث سكانها للتغرّب. لم يجدوا فيه ما هو غريب. ولسان حالهم يردد «ألسنا أحفاد رحالة وشذاذ آفاق. فما بال هذا النظام الذي أقعدنا عن الحركة يعاملنا على أساس أننا مجموعة كسالى بلهاء». وسرعان ما وجدوا أن لا شيء في الحقيقة يربطهم سوى المال والحساب المصرفي والمرتجع الصريبي. وشيء آخر هو ما كان النظام يزرعه من فوضى في العالم، ليبدو لنا مخيفا، وشنّ باسمنا حروبا، لجعلنا أقواما غير مرحّب بهم، ونحن مما يفعل برّاء».
حاكم مردان، مشغول بالرواية أو بالراية. كلاهما واحد عنده، شرط المتابعة. فالشعب، كما الكاتب، لا يهزم.
«تقدم الركب بثبات لا يلوي على شيء. أرض جرداء ترتسم تحت أقدامهم. وكلما إكتسبوا أمتارا جديدة في مسيرتهم، إزدادت الأرض وعورة حتى لاحت لهم من بعيد سلسلة تلال تسيج الأفق، ولم يكن لهم من يد سوى السير بإتجاهها».

أستاذ في الجامعة اللبنانية