وحيداً تستيقظ كل صباح.. منذ زمن بعيد أغوتك الوحدة، فعشقتها، ربما لأنك فشلت في معرفة الوجه الآخر لهذه الدنيا، وهنا لا يُلام أحد سواك، ومثلك كثر.. وأنت لا تستطيع أن تبرّر ما أنت عليه ولا أن تلوم الآخرين، ومع ذلك تردّد في سرّك: «عاشت الفلسفة التبريرية» ولكن الأصح من كل هذا، عليك أن تعترف بأنك كبرت وغزا الشيب مفرقك، رغم الطفولة والبراءة اللتين ما زالتا تتحكّمان بمشاعرك وتصرفاتك، هذا الواقع ليس بحاجة أن تبرّره وتعدّد أسبابه (التاريخية) ولا أن تردّد كالببغاء: «عاشت الفلسفة التبريرية» ومع ذلك من المتفق عليه إن المرء حين يتقدّم في العمر، يميل رغماً عنه إلى الوحدة بعيداً عن ضوضاء وحكايات كانت تعنيه، ويميل إلى استعمال الأفعال الماضية، ربّما لأنه يشعر أن دوره في الحياة قد شارف على الإنتهاء، من هنا نراه يستخدم كلمة «كنتُ» باستمرار.. ولا أدري لماذا هذا الشرق حين يتقاعد (واحدنا) يصير رهينة اليأس والملل! بينما في الدول المتقدمة نرى العكس تماماً حيث تقوم المؤسسات بدور مميّز فتوفّر لكبار السن عدة نشاطات لا تُشعرهم بقساوة الوحدة ؟!
المهم أنك تستيقظ، تستيقظ معك الآلام المبرحة بعد ليل قلق، وهي تبتسم بخبث حين تراك تدير إبرة المذياع لتصغي إلى أخبار الصباح! وتقهقه حين تتصفح الجريدة! لتطلع وتتابع أخبار هذا الشرق (المنكوب) ويزيد الطين بلّة رنين الهاتف مصحوباً باعتراض صديقك ورفضه للحال الذي وصلنا إليه، وهو الصديق الوحيد الذي تشعر بالسعادة حين تتحدث إليه، لأنك معه تستطيع أن تشتم كما يحلو لك وتتناسى قواعد الأدب.. أعتقد هنا، أنه يحق للذين سُرقت أعمارهم ودُمِّرت أحلامهم وخسروا كل شيء أن يثوروا كونهم (الخراف) التي تُنحر لأسباب لا شأن لهم بها!! ولكن أليس للصبر حدود؟