انشأت المقالات في كل الدوريات اللبنانية، ولكنني لم أقع فيها على أفضل وأرقى من مجلة «الحكمة» برئاسة تحرير الصديق الحكيم الدكتور إميل كبا.
توقف صدور معظم هذه الدوريات ومنها تلك المجلة التي عايشتها معايشة فكرية ووجودية على السواء، ولا أعلم أسباب توقفها عن الصدور. ولكنها مجلة ترجمت توجهات أبناء المشرق العربي وتطلّعات أجيالنا إلى بناء صرح ثقافي شامخ يضطلع بالدور الرائد لثقافتنا اللبنانية في تصدّيها للتخلّف وجعل فكرنا الإنساني المتنامي مصدر إلهام وإبداع للطبقة المثقفة يساعدها على رسم صورة المستقبل والغد المشرق.
حققت المجلة، بهمّة الدكتور كبا، قفزات نوعية، شملت جوانب الحياة الثقافية كلها، حتى غدت عنوان التقدّم والازدهار، والصورة الحيّة المعبّرة عن وجدان أمتنا وضميرها.
الدكتور كبا حاول أن يجعل العمل في ميدان الثقافة، ليس مجرد نشاط لاكتساب شهرة شخصية أو موقعا اجتماعياً معينا. نظر إلى الثقافة لا كترف، بل كضرورة لازبة. انها أساس النهوض الاجتماعي، وعامل بارز في التنمية. بحث عن جنود معرفة في ساحة الفكر، بعيدا عن مناخات للهو والزينة أو طلب المجد والشهرة. فالثقافة لديه واجب وطني اجتماعي من الدرجة الأولى. بحث كبا عن المثقفين الثقات وأخذ بيدهم وتعهدهم ورعاهم. شذّب مقالاتهم وعنونها. وأقام الدليل على ان حضارتنا، منذ عهد الأسلاف، حضارة منفتحة فاعلة متفاعلة.
أشار الدكتور الحكيم إلى عقد المهرجانات والندوات والمحاضرات والأفلام والمعارض والآثار، وفي مجلته دلالات إلى حتمية التلاقح وتواصل التجارب والخبرات. استورد في حكمة تناسب «حكمته» ثقافة رفيعة أصيلة واستشرافية على السواء. تعميمه للثقافة التي لا تقرأ في كتاب واحد، فيه مراعاة للعمق والسعة، للانتشار الأفقي والتجذّر العمودي. مقالات مجلته الحكيمة في عهدته الحكيمة، متعددة، متنوّعة، نوعية، حيّة، غنية، راعى فيها أن يبلغ الجمهور الواسع، كما راعى فيها أن تشبع حاجة المثقفين من كل الفئات، وهم يتجذّرون في التراث. وبقدر ما أطلّ على الحداثة، حرص على نشر التأليف الجيد، والترجمة المنتقاة، وجميع الكتب المشار إليها في مجلته تتناول معطيات الفكر التراثي المعاصر. شاء حكيمنا أن يبني الصلة بين ما كان وما هو كائن، وفي حرصه على الجديد، مد الصلة إلى ما سوف يكون، وبهذا جمع بين الأصالة والحداثة، إيماناً منه بضرورة التواصل والتفاعل مع الأدب العالمي. علينا في عرفه أن نغدو على قناعة تامة بان ثمة في الدنيا من حولنا.
أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه