منذ أن رحل أبي، والقلوب كلّها معلّقة بسلام…
"انتبهوا لسلام… طمئنونا عن سلام… ماذا جرى لسلام؟ يا ويلي على سلام…”
فأنا ابنة الدار الصغرى، حبيبة أبي ومدلّلته، رفيقته وصديقته.
ومع مرور الأيام، أدركتُ أنّني فاجأت الجميع…
صحيح أنّ دموعي لا تجفّ، لكن في وجهي ابتسامةُ رضى بقضاء ربّي،
وفي موقفي شموخٌ واستقامة ورثتُهما عن أبي.
فالناس يقولون إنّ عزّ البنت وجناحيها أبوها؛
لكنّ قلّةً فقط تدرك أنّ هذا العزّ لا يخبو بموت الأب جسداً، بل يمتدّ ويكبر…
إنّه العزّ الذي سيبقى، والجناح الذي لن يُقصّ، لأنّ أبي أورثني ما هو أعمق من الحنان… أورثني اللاانحناء.
ترك في ظهري عموداً من صلابة، وفي قلبي كبرياءً لا يلين،
وكأنّه ما زال يرفع رأسي بيده كلّما خذلتني الحياة.
نعم، المرض لم يغلب أبي،
لكنّه غلب الجسد فقط…
أما أبي فصار ملاكي في السماء،
حاضراً يسكن داخلي، لا يغيب.
أبي هو القانون والمبدأ،
هو الهيبة والاعتداد بالنفس، لا تكبّراً، بل لأنّني كنتُ، ولا أزال، وسأبقى أرى نفسي مفعمةً بالعزّ والدلال الذي أغدقه عليّ،
وبالمكان الذي أوصلني إليه،
وبالإيمان الذي زرعه فيّ بأنّ الابنة التي يرفعها أبوها لا تنكسر، ولو مات.
فالروح لا يجوز لها أن تُحبس في جسدٍ منهك…
لا بدّ لها أن تتحرّر وتنتقل إلى الحياة الأبدية.
وقد تحرّر أبي، وصعد إلى حيث لا ألم ولا سرير مستشفى ولا انتظار…
و أعجوبتنا الالهية فعلاً تحققت…
صارعنا المرض معاً بلا مورفين!
ومن استغرب هدوئي، فلأنّه لا يعرف قصّتنا…
فليتذكّر أنّ هذا الأب صنع معالجةً نفسية،
وعاش عمره ورحل وهو يرى فيها فخراً يساوي الدنيا وما فوقها.
وأنا التي أدرّب الأطفال على تقبّل فكرة الموت،
كان أقلّ ما يجب عليّ أن أكونه هو أن أكون مدرّبةً على تلقّيه أنا أيضاً،
ولو أنّ قلبي، وحده، لم يتدرّب يوماً على فراقه…
لطالما أحبّ والدي جريدة اللواء، وكان يشتريها كلّ صباح، ولا سيّما عندما يُنشر مقال لي فيها.
كان يخرج باكراً، يمسك الجريدة بعناية كمن يحمل شهادة فخر، ويضعها تحت إبطه ويسرع الخطى نحو المقهى القريب…. فيسأله أحد أصدقاء طاولة النرد مازحاً:
«ما بك يا أبو حسن؟ كأنّ حادثاً وقع حتى تهرول بالجريدة؟»
فيبتسم أبي تلك الابتسامة التي أعرفها جيّداً، ويجيب بكلّ اعتداد:
«البلد ضاعت منذ زمن… لكنّي ما زلت أحبّ جريدة اللواء، وبنتي الدكتورة الصغيرة نشرت اليوم مقالاً جريئاً… وأحبّ أن أريه للرفاق.»
صباح البارحة ، ذهبتُ للتبضّع، فقادتني قدماي، دون أن أدري، إلى ذلك المقهى نفسه…كنت أمشي كمن يسير في ذاكرةٍ مفتوحة على آخرها…
وقفت على الرصيف المقابل، أبحث بعيني بين الطاولات …عن كتفيه المنحنيتين بوقار، عن نظرته التي تسبق كلماته…
كنت أراقب اللاعبين خلسةً، كأنّي أرجو أن يكون ذلك الوداع المهيب مجرّد كابوس… وأن أجده جالساً هناك، يبتسم عندما يراني….
لمحني صاحب المقهى…العم غالب!! فنهض مسرعاً نحوي…
مدّ يده إلى رأسي ومسح عليه كما كان يفعل أبي، وقال بصوتٍ خافت يشبه المواساة:
«نيّالك يا بنتي».
سألته: «على ماذا؟»
فأجاب: «أكلتِ رضا ليوم الرضا… كنتِ كلّ حديثه. سلام وسلام… لا حديث له إلا عنكِ. وكان لا يملّ من أن يريهم مقالاتك… ويرفع رأسه كلّما نطق أحدهم باسمك.»
في تلك اللحظة شعرتُ أنّ أبي يكلّمني من خلاله،
كأنّ صدى صوته تسلّل من بين جدران المقهى وقال لي:
«أنا لم أغب… أنا باقٍ فيكِ، في اسمك، في كتابتك، في خطواتك، وفي كلّ مكان أحببتُه لك قبل أن تحبيه أنتِ.»
عدتُ إلى البيت وأنا أحمل في صدري ثِقلاً فيه وجعٌ، وفيه دفء…
وجع الفقد، ودَفء اليقين بأنّ الأب الذي أحبّني بهذا القدر،
لا يمكن أن يرحل كلّه…
بابا…
قد يُهزم أمام صديقه في لعبة طاولة النرد… لكن هذه السلطة المطلقة، وهذه الرجولة المشرفة، لا يغلبها زمانٌ ولا مكان….و لا احد يحكم عليها بالموت…
لن أرثيك… بل أكرّمك اليوم و بكل فخر بين قراء هذه الجريدة و أسرتها الموقرة…أكرّم الرجل الذي صنعني بإتقان…
الرجل الذي عرفه محبوه كـ مَعلم تاريخي من معالم مدينتنا بيروت…
وجه بيروت هو وجهك ايضاً…ايها البحار القديم
و الاب العظيم…
لك الخلود بابا!
(*)معالجة نفسية و كاتبة في علم النفس العيادي والتربوي