حلّت منذ أيام ذكرى وفاة المخرج اللبناني الشاب دانيال جوزيف، مما جعلنا نستذكر مسيرة فنية قصيرة لكنها مليئة بالشغف والإبداع. رحيله المبكر عن عمر 41 عاماً شكّل صدمة للمجتمع السينمائي اللبناني، لكنه لم يكن نهاية صوته الفني، بل بداية لتقدير إرثه في السينما المستقلة.
رحل المخرج دون أن يتمكن سوى من إنتاج فيلمه الأول والوحيد «تاكسي البلد» (2011)، الذي يعكس رؤية شخصية للمدينة وشبابها، ويقدّم توثيقاً فنياً للحياة اليومية في بيروت.
• السيرة الذاتية
وُلد عدنان مهدي، المعروف باسم دانيال جوزيف، في قرية بنهران في قضاء الكورة شمال لبنان. كانت ولادته في فترة الحرب الأهلية اللبنانية، مما اضطر عائلته للهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية في مطلع الثمانينيات بعد محطة مؤقتة في السعودية.
درس جوزيف الرسم والتصوير في جامعة هيوستن، ثم التحق بمعهد التصميم في نيويورك، حيث اكتسب مهارات متقدمة في الإخراج السينمائي، الإضاءة، تركيب المشهد، والتصوير الرقمي. خلال فترة دراسته، بدأ في تطوير حسّه الفني الخاص، واهتم بشكل خاص بالتفاعل بين الصورة والمشهد الحضري، وهو ما أصبح لاحقاً أحد السمات المميّزة لفيلمه الأول.
اختيار اسم فني مستقل، دانيال جوزيف، يعكس وعيه بالحاجة إلى بناء هوية سينمائية مستقلة عن حياته الشخصية، وهو ما ينسجم مع الطابع التجريبي والتحرري لفنه. في 2011، عاد جوزيف إلى لبنان بعد أكثر من عقدين في المهجر، مصمّماً على إنتاج فيلم يعكس تجربته الشخصية، ملاحظاته عن الشباب، المدينة، والتغيّرات الاجتماعية والسياسية التي شهدها لبنان في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
• فيلم «تاكسي البلد».. بيروت بعيون مخرج شاب
يحكي الفيلم قصة يوسف، الشاب اللبناني الذي يحلم بالهجرة بسبب إحباطاته الاقتصادية والاجتماعية، لكنه يجد نفسه مضطراً للعمل كسائق تاكسي. من خلال هذه المهنة، يتم تقديم تصوير واقعي للحياة اليومية في بيروت، التحدّيات التي تواجه الشباب، والاختلافات الطبقية والثقافية داخل المدينة.
الفيلم يعكس صراع الفرد مع الواقع الاجتماعي، ويطرح تساؤلات حول الهوية والانتماء والحرية الشخصية، كما يعكس تأثير الهجرة والاغتراب على الشباب، وهو موضوع متكرر في السينما اللبنانية المعاصرة.
الفيلم يمثل تجربة فنية جديدة للسينما اللبنانية، حيث يمزج بين الواقعية والرمزية في الوقت ذاته، ويقدم بيروت من منظور شخصي دقيق.
ظهر الفيلم في مرحلة ما بعد الحرب اللبنانية، حيث كانت السينما تحاول إعادة بناء الهوية الوطنية وتسليط الضوء على واقع الشباب. يعكس الفيلم ديناميكيات الحياة في بيروت، التحديات الاقتصادية والاجتماعية، والتغيّرات الحضرية، بما في ذلك التناقض بين الحداثة والتقاليد، الفقر والغنى، والتباين بين الأحياء المختلفة.
مشهد افتتاح الفيلم يبدأ برحلة داخل المدينة، حيث تتحرك الكاميرا بين الشوارع لتوضح التناقض بين الحداثة والتقليدية، وهو مشهد يستخدم الحركة البصرية لتعريف المشاهد ببيئة بيروت. أما المشاهد الداخلية للتاكسي، فإنها تُبرز التفاعلات اليومية مع الركاب، مما يسمح بملاحظة الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، إذ أن الحوار الارتجالي هنا يعطي مصداقية للأحداث.
استخدم جوزيف نظام ورشة الكتابة التشاركية، حيث ساهم الممثلون في كتابة مشاهدهم، ما أتاح للحوار أن يكون ارتجالياً ويعكس لغة الشارع اللبناني وأسلوب تواصل الشباب. هذا الأسلوب، الذي يدمج الكتابة والتصوير والممثل في عملية إبداعية واحدة، يُعدّ من أبرز الممارسات التجريبية في السينما اللبنانية.
يتقاطع فيلم جوزيف مع ما وثّقته في مقال لي بعنوان «عالبلد» حول سيارات «السرفيس» و«الكاراجات»، ومما جاء فيه:
«عالبلد؟ سؤال مقرون مع «نقرة زمور» اعتاد سائق «السرفيس» توجيهه كلما لمح شخصاً واقفاً على الرصيف خلال جولاته ضمن خطوط سيره، وصولاً إلى ساحة «البرج» وساحة «عسور»، حيث توجد «الكاراجات»، أي المواقف التي تنظم عمل السائقين العموميين...».
«داخل سيارة «السرفيس» عالم متنقل قائم في ذاته. السائق يعتبرها مملكته، يضع على المرآة صور أولاده، ويلصق على «التابلو» ملصقات تحمل جملاً: «لطفاً اغلق الباب بهدوء»... ‘الفوطة الصفرا’ لا تفارقه، بل هي الرفيق الدائم له، لها استخدامات عديدة...».
توضح هذه المقتطفات كيف أن الفيلم لا يصوّر المدينة بصرياً فحسب، بل يتصل بالواقع الاجتماعي العميق لبيروت، بما في ذلك تفاصيل النقل العام والثقافة الشعبية المحيطة به.
كمؤرخ وباحث مهتم بتاريخ وتراث بيروت، أعترف بأنني لم أكن مطلّعاً على فيلم «تاكسي البلد» أثناء حياة مخرجه، وكان هذا تقصيراً مني في متابعة السينما اللبنانية المستقلة.
بعد وفاة دانيال جوزيف، أرشدتني شقيقته إلى الفيلم، ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلتي في اكتشاف هذه التجربة الإخراجية الفريدة. عند مشاهدته، أدركت أن الفيلم ليس مجرد سرد درامي، بل وثيقة فنية تعكس واحدة من مظاهر حياة بيروت اليومية، وطبقاتها الاجتماعية، وطموحات شبابها وأحلامهم.
تلك التجربة عززت معرفتي بتاريخ المدينة وتراثها، وذكّرتني بأن بيروت لا تقتصر على معالمها المادية فقط، بل تتجسّد في حكايات سكانها، الشوارع التي يقطعونها، والمهن التي تشكّل حياتهم اليومية. فيلم «تاكسي البلد» أصبح بالنسبة لي مرجعاً مهماً لفهم هذه المدينة الحيّة، ومثالاً على كيفية توثيق الواقع الاجتماعي من خلال الفن السينمائي.
رحيل دانيال جوزيف المبكر، رغم فاجعته، منحني فرصة لإعادة اكتشاف بيروت بطريقة جديدة، وجعلني أقدّر السينما المستقلة كأداة لتوسيع فهمنا للمدينة وتاريخها الاجتماعي. وربما لو بقي حيّاً، لكنا عملنا معاً على مشاريع كثيرة توثّق بيروت وأبعادها المختلفة، لاكتشفنا جوانب جميلة من المدينة لم نتعرّف عليها ونحن نعيش فيها.
أتصوّر أنه حيث هو الآن، يشاهد بيروت أجمل، ويبتسم لكل زاوية من زواياها التي حاول أن يصوّرها ويخلّدها من خلال عدسة كاميرته، لكن الموت كان أسرع...