بيروت - لبنان

اخر الأخبار

1 شباط 2025 12:00ص د. فاروق بزي في (مبادئ الطب الوقائي) أدب التجربة

حجم الخط
«هذا الكتاب، مخاض ذلك الصخب، أو على الأقل، يحمل دفعة منه، إذ لا يمكن فصل التجربة عن ظروفها ومعاناتها. فقد عشت مع الأطفال مدى تلك السنين، أعالجهم، أداعبهم كأنهم أطفالي. ولا يسكن لي بال، حتى يبرأ المريض من إصابته... ولا يسعدني شيء أكثر من شفائه».
يعود كثيرون من أصحاب المهن ومن أصحاب الإختصاص، إذا ما كان لهم أدنى مسكة بالقلم، لتوثيق مراحل حياتهم، والأشواط التي قطعوها، وللكتابة فيما يشعرون به، وهم يخوضون في شؤونهم، وفي شؤون أعمالهم، خصوصا، إذا ما كان عملهم، على صلة ماسّة بالناس وبالمجتمعات وبالقطاعات. يدفعهم إلى ذلك، إحساس داخلي بالمسؤولية، وشعور غامر بالفرح، إذا ما خاضوا في تجربتهم، وأنجزوها في أوراقهم. فيصير همّهم بعد ذلك جعلها في كتاب، ووضعها بين أيدي القرّاء، إيمانا منهم بالرسالة الإنسانية الملقاة على عاتقهم، إذ كل إنسان هو مسؤول، فما بالكم، إذا كان يتحسس المسؤولية على كتفيه، فنراه ينهض لها بكل جسارة، مجرّبا حظه من التقميش والتوليف والتأليف والتدوين والتحرير، حتى مرحلة الإنجاز الكامل في كتاب.
الدكتور فاروق بزي، هو واحد من الكثيرين، الذين تحسّسوا بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، وهو يقطع أمره ودهره بين أبناء جلدته، يريد أن يضع بين يديهم، تجربته الثرية في الحياة وفي الطب، الذي طلبه، بلا طلب منه، فإندفع بكل حضور، لإثبات المثبت في نفسه، من العلم والعمل والإخلاص والتأدّب. ولا غرو، فهو على طريق أطباء كثيرين، سبقوه إلى هذة التجربة، خصوصا منهم، أطباء الأرياف، إذ كانوا يقعون على لُقى عظيمة: في شؤون شتى من المجتمعات، فيحملونها معهم، يدوّنونها ويعالجونها، ويتمحصون ما فيها من وجوه إنسانية بعامة، ووجه مجتمعية وشخصية بخاصة. إذ طبيب الأرياف يقف على الأقاصي، يتحرّى ما فيها بعمق تجربته الخارجة لتوّها، من ليالي المدينة، من السهر في مختبراتها، ومن المتابعة في قاعات الدراسة، ومن الزيارات في العيادات وفي المستشفيات، وفي الأندية والمدارس، وغير ذلك من شرائح المجتمعات والتجمعات.
يتحدث المؤلف في كتابه بُعيد ذلك، عن الأمومة وبعض الأمراض خلال الحمل. فيشرح ما على الفتاة أن تعرفه عند الإستعداد للحمل، وكيف يجب أن تراقبه طيلة فترة الحمل، من العلامات السريرية للحمل إلى الفحص السريري العام، إلى فحوصات تأكيد الحمل. ثم يقدّم لمحة عامة عن أشكال الولادة ومراحلها، وعن الحصبة الألمانية التي يمكن أن تتعرض لها، وعن وسائل مراقبتها وطرق إنتقال العدوى وإرتفاع ضغط الدم الشرياني والخطر على الجنين، ناهيك عن حديثه عن داء السكري والحمل وعن التسمم والحمل. وسبل الوقاية من ذلك.
«من الوسائل العلاجية والتشخيصية التي اعتمدت: مراقبة وتيرة نبض القلب وعلاقته بتكوّن الإستسقاء (الوذمة)، مناطق تمركزها، لون وحرارة جلد المريض وعلاقة تكون الورم مع تغيّر وضعية الجسم...».
كذلك، ينتقل المؤلف للحديث عن الصحة النفسية والعصبية والتغذية والغدد الصماء عند المرأة الحامل. ويقول إن للكوليسترول سمعة سيئة، رغم حسناته أيضا. لينتقل للحديث عن المداواة الذاتية ونفعها وعن الغدد الصماء، داخل الدماغ وخارجه، وسائر الغدد المتمركزة، في غير مكان من الجسم.
«من الناس من يتبع حمية خاصة، تيمّنا بالحكمة: المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء، وآخرون سلكوا سبيل الإعتدال يتروقون كالملوك، يتغذّون كالأمراء ويتعشّون كالفقراء».
ويتوقف الباحث أيضا عند مرحلة الطفولة، ويشرح ضرورات النظافة ومراقبة النمو، وسبل الحماية. فيتحدث عن المولود الجديد في ساعاته الأولى وعن صفات الأطفال الخدج وعن العلامات المرضية عند الطفل الخدج، وكذلك عن أسباب الولادة المبكرة، ويقدم الإرشادات والنصائح للمحافظة على القواعد العامة لصحة الطفل الحديث الولادة، وكيف يجب مراقبة نموّه وحركته وحواسه وتعبيره الجسدي والحركي، وكيف يجب حمايته من ضربة الشمس ومن لفحة الهواء.
«هذه العلاقة النفسية والعاطفية، ذات الطابع فائق الخصوصية، بين الأم ورضيعها، دفعت بالعديد من الأوساط الطبية، التي تهتم بشؤون رعاية الأمومة والطفولة، على إعتماد عادة من عادات القبائل الأفريقية، والتي تقوم على ملازمة الأم لوليدها، ليلا نهارا، لمدة أربعين يوما... لتمتد إجازة الأمومة فيما بعد لفترة تطول أو تقصر، حسب تطور المجتمعات، ونظرتها المستقبلية للطفولة والعائلة على السواء».
وينتهي الدكتور فاروق بزي، في كتابه، للحديث عن نحيب الأطفال وتشنجات النحيب والإغماء و(الغشية). وكذلك عن شخير الاطفال وإلتهاب الدودة الزائدة، وضرورة التشخيص التفريقي لإلتهاب الزائدة الدودية عند الأطفال. ناهيك عن حديثه عن الإنسمام بالفول الذي يصيب الدم بالإنحلال، فيتوقف عند هذا المرض مليّا ويشرح النزف الحاد في البول والعاهة الوراثية وحمى البحر المتوسط العائلية، ويقدم تفاصيل كثيرة حول ذلك.
الدكتور فاروق بزي، يقدم في كتابه هذا تجربة خمسين عاما في الطب العام وطب الأمومة والطفولة. ولا غرو، فهو الطبيب الزائر المجتهد الذي اعتمدته معظم المدارس والجامعات ودوائر الصحة العامة في وزارة الصحة العامة وخارجها، لتقديم الاستشارات الطبية، ومساعدة الأجيال على التخلص من كثير من العاهات، الناتجة عن قصور طبي. ويعتبر كتابه هذا مرجعا طبيا أكاديميا عاما، لا غنى عنه في المكتبات الخاصة في المنازل والمدارس، ولدى التلامذة الأطباء.
«هل قدر لإنسان ما، ولد لأبوين، لا تبدو عليهما علامات مرضية، ويحمل أحدهما أو كلاهما على إحدى صبغياته عاهة... ما هذا اللغز الذي يسمح لهذا المرض بالبقاء، لفترة تمتد ربما لسنوات، كامنا من دون أن يعاني حامل العاهة، من علامة مرضية؟».

أستاذ في الجامعة اللبنانية