بيروت - لبنان

اخر الأخبار

24 كانون الثاني 2025 12:00ص رامي الطويل لـ«اللواء»: «الترجمة عندي كانت فضاءً جديداً من الفضاءات الشاسعة للأدب التي وجدت فيها متعة تقمّص كتّاب آخرين»

حجم الخط
الترجمة الأدبية ليست مجرد جسرٍ ينقل الكلمات بين لغتين، بل هي عملية معقّدة تتطلّب فهماً عميقاً للفكر والروح الثقافية الكامنة وراء النصوص. في هذا الحوار، نتناول هذه الفكرة مع المترجم «رامي الطويل» الذين ساهم في نقل الأدب العالمي كرواية «الجندي الطيّب شفيك» وغيرها إلى اللغة العربية، مُتحدثاً عن تجربته الشخصية في ترجمة نصوص أدبية معقدّة، أبرزها رواية «الجندي الطيّب شفيك» للكاتب ياروسلاف هاشيك. من خلال إجاباته، يسلّط الضوء على التحدّيات التي واجهها أثناء نقل مفردات الفكاهة والسخرية التي تحملها الرواية، بالإضافة إلى التفكير العميق في دور المترجم الذي لا يقتصر فقط على نقل النصوص، بل يعبّر عن روح المؤلف وثقافته. كما يناقش المترجم تجربته في معالجة التوترات بين السذاجة والحكمة في شخصية شفيك، وكيف حاول أن يظلّ وفيّاً لروح النص الأصلي دون أن يفقده تأثيره عند نقله إلى الثقافة العربية.
{ هل تتفق مع الفكرة القائلة بأن المترجم ليس مجرد ناقل للغة، بل يجب أن يكون أيضاً «صوتاً» يعبّر عن فكر ومرجعية ثقافية للمؤلف؟
- طبعاً، فالترجمة عملية بالغة التعقيد خاصّةً حين تتعلّق بترجمة النصوص الأدبية؛ فنقل المعاني المجرّدة للكلمات من لغة إلى لغة أخرى لا يندرج تحت مسمّى الترجمة، وهو ما تقوم به بعض التطبيقات الإلكترونية على سبيل المثال. أمّا الترجمة فهي عملية تنطوي على ترجمة الأفكار والمشاعر إلى جانب اللغة وتتطلّب مقدرة على تبنّي موقف الكاتب والوقوف معه في ذات الركن الذي كان ينظر منه إلى نصّه أثناء كتابته. بورخيس مثلاً ينفي أن تكون للكلمات في لغة ما مرادفات في اللغات الأخرى، وبالتالي فكلّ جهدٍ يبذله المترجم للتماهي مع المفردة للحصول على مرادف لها في لغته الأم هو جهد لن يوصل إلّا إلى نصّ جافّ لا روح فيه، وقد يحرّف المكتوب عن معناه الحقيقي. من هنا يمكن القول أنّ الترجمة الفعلية هي عملية مركّبة تقوم على تفكيك النصّ أولاً ومن ثمّ إعادة بنائه وكتابته من جديد.
على الصعيد الشخصي لا أصنّف نفسي مترجماً؛ فأنا أجيء إلى الترجمة من بوابة عالم القراءة والكتابة. أنا قارئ بالدرجة الأولى ومن ثمّ كاتب يكتب الرواية والقصّة، والترجمة عندي كانت فضاءً جديداً من الفضاءات الشاسعة للأدب التي وجدت فيها متعة تقمّص كتّاب آخرين لا يشبهونني والتماهي معهم لإعادة إنتاج نصوصهم باللغة العربية، مع الحفاظ على روحية تلك النصوص وأساليب كتابتها المتباينة بما لا يفقدها المتعة عند قراءتها.
{ هل تشعر أن بعض الروايات ليست قابلة للترجمة بشكل جيد؟ وهل تعتقد أن «الجندي الطيّب شفيك» واحدة من هذه الروايات؟
- طالما أنّ الترجمة هي عملية إعادة كتابة فلا أعتقد بوجود نصوص عصيّة على الترجمة، حتى الشعر تتمّ ترجمته. لكن الأمر في نهاية المطاف يعود إلى مقدرة المترجم على تفكيك النص واستيعابه لإعادة إنتاجه دون أن يفقده مزاياه.
بالنسبة للـ«الجندي الطيّب شفيك» فإنّ الرواية مكتوبة بلغة بسيطة بالغة الخطورة لكونها تنطوي على الكثير من الفكاهة والسخرية ما جعل عملية ترجمتها متعبة إلى حدّ كبير واحتاجت جهداً بالغاً انصبّ على ألّا تفقد الرواية هذه المزايا الأساسية التي بنيت عليها. وإذا ما تنبّهنا إلى أنّ الفكاهة والسخرية ترتبطان بشكل أساسي بالثقافة الشعبية للمجتمعات أكثر من ارتباطهما باللغة، تصير عملية النقل من لغة إلى أخرى محفوفة بالكثير من المخاطر؛ فما يثير الضحك في لغة ما قد يبدو جافّاً وبليداً في لغة أخرى. هنا يجيء دور المترجم لترجمة الروح الساخرة بما يتوافق مع اللغة التي يترجم إليها والثقافة الشعبية التي أنتجتها.
{ فيما يتعلق برواية «الجندي الطيّب شفيك» هل كان لديك شعور بأن الثقافة أو السياق المحلي للرواية يمكن أن يحدّ من تأثيرها عند ترجمتها إلى لغة أخرى؟
- كلّ الآداب العظيمة تنطلق من خصوصيات محليّة. أهميّة «الجندي الطيّب شفيك» أنّها رواية إنسانية بامتياز رغم خصوصية الفضاء الجغرافي الذي تدور فيه أحداثها. فالحروب واحدة في كل زمان ومكان والإنسان هو ذاته، وهذا ما يجعل «الجندي الطيّب شفيك» رواية عابرة للزمن وقادرة على ترك الأثر عند قارئها في أيّ مكان ومهما ابتعد به الزمن عن لحظة كتابتها.
{ شفيك ليس جندياً تقليدياً، بل هو جندي يواجه الحرب بمنظور مختلف، مليء بالغباء أحياناً، لكنه حكيم بطرق أخرى. كيف استطعت أن تترجم هذه التوترات بين السذاجة والحكمة بشكل يظل صادقاً للروح الأصلية للنص؟
- عند قراءة الرواية كان لا بدّ من الوقوف على المفارقات الساخرة التي تقوم عليها، وبالتالي إعادة البحث عن ياروسلاف هاشيك، الممثل الكوميدي الساخر الذي أنجز هذه الرواية كعمل روائي وحيد وتوفي في عمر الـ40 عاماً ليجيء بعده من يكمل كتابة جزئين آخرين منها. التقاط روح الفكاهة والسخرية التي قرّر هاشيك أن يحمّلها لشفيك لمواجهة العالم كان الركيزة الأساسية في عملية الترجمة. وكان لا بدّ من الفهم أنّ السخرية المغلّفة بالبلاهة عند شفيك هي سلاحه الوحيد لتفكيك صرامة المنظومتين العسكرية والدينية اللتين تحكمان العالم. فتلك الصرامة المفتعلة من أجل استمرار السيطرة على البشر تتضمن هزلاً كبيراً لا يمكن بلوغه إلّا لمن امتلك تلك الروح الهزلية الساخرة، ما يؤكد أن العالم الذي نعيش فيه أشبه بمسرحية هزلية كبيرة يخطئ بحقّ نفسه من ينظر إليها برصانة وجديّة. بعد فهم كلّ ذلك كانت المحاولة هي الاقتراب من ذهنية هاشيك ورؤيته للحياة عند كتابته للرواية، وأتمنى أن أكون قد نجحت في ترجمة تلك الروح قدر المستطاع.
{ هل ترى أن الترجمة التي قمت بها قد أضافت بُعداً جديداً أو قراءة مختلفة للرواية بالنسبة للقارئ العربي؟
- القارئ هو من يملك الحق في الإجابة على هذا السؤال. لقد حاولت بما أمتلكه من مقدرة أن أقدّم نصّاً متماسكاً بلغة رشيقة لا توقع القارئ بالملل أثناء القراءة ولا تشعره بأنّه أمام عمل مترجم، وفي الوقت نفسه كان الهاجس ألا تفقد الرواية حسّها الفكاهي الذي تقوم عليه، وأن أكون أميناً قدر المستطاع في نقل كلّ الأفكار التي ضمّنها هاشيك لروايته، وأحياناً بطريقة مواربة مغلّفة بسخرية يتعيّن على القارئ استنباطها. وأرجو أن أكون قد وفّقت بذلك.