لم يكن ضرورياً أن تمر أربعة عقود، فيها دواوين شِعرٍ نثري ثلاثة، وقرابة عشرين رواية، بل من اليوم الأول الذي صدرت فيه باكورته الأولى حاملةً اسم «حين حلّ السيف على الصيف» طُرحَ السؤال: هل رشيد الضعيف يفكّر بالفرنسية ويكتب بالعربية؟ ذلك أن لُغته العربية التي كتب بها ببراعة ميَسّرة، كانت غريبة نسبياً عن كل الذين اعتنقوا النثر الشعري من مجايليه اللبنانيين وربما العرب. من اللحظة الأولى ظهَرَ نجم غريب في السماء، راح النقاد والمهتمون يقرأونه ويتعرّفون على نكهة لا هي عامية تماماً رغم شبهها بالعامية من حيث بساطة الأسلوب ولا هي فصحى تهتمّ بالديباجة البلاغية. فالزمن الذي انطلق منه رشيد الضعيف كان في أواخر «زَوبَعة» جيل المؤسّسين لمجلة شِعر حيث سيطرت تبدّلات كثيفة في معنى الشّعر ومبناه، وتحرّكت ضوضاء معلومة ومجهولة أُرسِيَت في الكتابة الشعرية. أطلّ رشيد برأسه بلغة عربية لها بعض «أصول» كامنة في الفرنسية. ولا ضرورة لتتقن الفرنسية لتصل إلى هذه النتيجة. فالترجمات كانت تحتل الملاحق الثقافية المتعدّدة في ذلك الوقت من ثمانينيات لبنان، وكان سهلاً تكوين فكرة عن الشّعر الفرنسي حين يصبح «عربياً» من خلال الترجمة. نزلَ الضعيف إلى وسط الكتاّب، وتم الاحتفال به، وكان مقدّراً له أن يواظب على النثر الشعري بناء على ما فعلَ في ديوانه الأول، فصدرَ الديوان الثاني فالثالث وبدأ النقاش في موقعه وأين يمكن أن يوضع، قرب مَن مِن الشعراء اللبنانيين وبعيداً مِمّن، وبدَت حركته الشعرية راضية بما حصّله من الشهرة المتاحة كشاعر نثري، وقيل في مديحه إنه جديد ولطيف وسهل العبارة وذو معانٍ مفاجئة. وفي عز الانتساب إلى الشعر «هَربَ» رشيد الضعيف إلى الرواية، فلم يصدّقه كثيرون في المرحلة الأولى واعتبروها نزوة لا أكثر، ثم سيعود إلى الشعر. غير أنه خالف التوقعات بشأنه وأقام في الرواية ونفّض نفسه من كل ما عداها، غارقاً بأفكاره وأحلامه فيها وثابتاً على مدى عشرين رواية وقيل أكثر إذا أخذنا سيناريو فيلم وكتابات للأطفال . ولا أظن أن أحداً سوف يصدّقه إذا عاد إلى الشعر هذه المرّة.. من دون أن أجزم في ذلك!
على أن رشيد الضعيف الخجول في الاعتراف بنفسه شاعراً أو روائياً خلال أربعين عاماً، بقي خجولاً في الكلام على نفسه وأسلوبه وقصصه وآرائه في الزمن الشعري أو الروائي.. إلا قليلاً. يكتب ويختفي ليكتب ثم ينشر ثم يختفي ولا يُطَنطِن كغيره عما كتب. ويأتي بروايات من عالَمَين فوقيّ وتحتيّ، خرافي وملموس، ومع بَشَرٍ مثلُه وبشَرٍ نقيضه، أصحّاء ومرضى، هامشيين ومتنيّين، ولا يرغب في مقارنة روايته مع أي روايات أخرى لأنه لا يرى أوجه تشابه أو قواسم مشتركة مع روائيين آخرين، ولا غروراً بل تواضع جمّ. وأكثر: لأن اهتماماته في أي رواية له، بَدءاً من اللغة، مروراً باختيار المفردات وصولاً إلى تركيب الجملة، غير اهتمامات الآخَرين. ومن هناك إلى اختيار نماذج بشرية تدور حولها روايته وتستعصي أحوالها قبل أن يتفكّك الصلبُ وينفرج همّ تقديم العقدة والحل، في إطار سلس لا يميل إلى فذلكة ولا إلى تكلّف أو تعقيد إلّا ما يأتي عفواً في السياق. وليس ذلك في رأيه عن علوّ كعب، بل عن خصوصية ذاتية يمتلكها، شرقية غربية في فهم الناس والمواقف، وواقعية في الكتابة، فضلاً عن التقصير في تقديم نفسه، ويترك لغيره أن يُصنّفه ولو صنّفوه خطأ. رشيد يكتب، وعلى القارئ أن يرسم مكانته بين سِائر الروائيين لا هو، وحين يعترض لا يدافع عن نفسه على طريقة المتهمين بل على طريقة قبول وجهة النظر كما هي.
ومن عنوان يحتاج تفنيداً حول ماهيته «حين حل السيف على الصيف» (١٩٧٩) ويُحيل إلى عناوين عدة ليست مشابهة لكنْ تُعبّر عن غموض ما، في دواوين شِعر نثري أُخرى، لجأ رشيد الضعيف في الرواية إلى العناوين المباشرة والعامية والمجنونة أحيانا «تصطفل ميريل ستريب» أو «هرّة سيكيريدا» أو «تبليط البحر» أو «أوكي مع السلامة» وغيرها، قبل أن تعود عناوينه أدراجها إلى الشّعر مثل عنوان «الوجه الآخَر للظل»، و«ما رأت زينة وما لم ترَ». وأغلب الظن أن رواية «ألواح» كان اسمها «أرواح» لما فيها من أرواح ناس راحوا مع الأيام. كأنما هناك كاتبان في رشيد الضعيف لا كاتب واحد وعليهما كلٌّ من جانبه تقديم العنوان الأفضل المترنّح بين الواقعية اللافتة المقبوض عليها من كلام الحياة اليومية، أو من خيال خصب يفور ويحاول التغلّب على الواقعية الطازجة. وشخصيات رواياته يمتازون بطبيعات مختلفة ولا أقول طبائع. الطبيعات جمعُ طبيعة، وطبيعةُ هذا منهم مثلاً، تختلف عميقاً عن ذاك، وعن ذلك وعن أولئك. ولا يتوانى عن تقديم بطلٍ عنده إلّا، كما «هو»، على حقيقته، وبطبعه الخاص ومزاجه. وإذا كانت هذه المسألة مفروضة في تنويع الفئات البشرية لدى الروائي عامة، إلّا أن رشيد الضعيف قد لا يستخدم خياله بقدر عينيه. عيناه ثاقبتان في المشهد. تصِفان الحال بلا استعداد للإطالة أو «الشطح». يكره على ما يبدو مَلء الصفحات بالركض وراء تفصيل هنا وآخر هناك، مع أنه واعٍ لتفاصيل أخرى يراها أكثر أهمية في بناء المشهد والشخصية والموقف. عقله «الفرنسي»، ورؤيته للأمور، وأسلوبه في التعبير ربما تدلّك على أشياء لا تألَفها في الكتابة الروائية العربية المائلة عموماً إلى تكويم كلام على أوصاف على تحليل على تخيُّل، في اللحظة الواحدة. وقلّةُ قليلة من الروائيين تعرف كيف تجمع ذلك، وتبوّبه، وتُنقيه من الشوائب، أما الأغلب فلا يعرف لماذا هذا المشهد ينبغي أن يأتي بصفحتين لا عشر، وذاك لا يتجاوز صفحة وهو من الغنى بحيث يحتاج خمساً. رشيد الضعيف، فوق أنه لا يراكم عناصر الرواية في مكان معيّن، ويترك الأمكنة الأخرى منها لدبيب التطويل، هو نفسه لا يهوى الشرح كثيراً. روايته لا تتجاوز مئة وخمسين أو على الأبعد مئتي صفحة وإذا طالت أكثر يكاد يخجل من نفسه ويعتذر منها، في وقت يعتبر كثرٌ من كتاب الرواية أنه إذا لم تبلغ الصفحات أربعمئة وأكثر فهي ليست رواية. وفي تقديري إن حجم الصفحات ليس دليلاً على نجاح أو فشل أو أهمية أو عدم أهمية. ما يُكتَب هو الأساس. وعندما تنفلش الرواية على تعدد شخصيات وتعدد حيوات وتعدد مصائر يصبح الطول مبرّراً لإعطاء الأشياء حجمها، من دون أن يكون ذلك قاعدة. ورشيد مُقِلّ حتى وهو يُكثِر، ولا يعرف أن يُكثِر أصلاً، كما لا يعرف أن يتحدّث عما أنتجَ بالطريقة التامة. في كلامه المتناقَل عبر الصحافة أفكار أكثر مما فيه إيضاح وشرح وكشف. وحتى عن الجوائز الأدبية التي نالها، يكاد ينسى السؤال إذا ما سألته، لا حباً بالكتمان بل حباً بترك الجائزة نفسها تقول. وفي حين يترفع البعض عن الاعتراف بالسعي إلى الفوز بالجوائز، وتوسيط كبار وصغار لهذا الهدف، يشارك هو ولكن من دون وساطات، ويتقبل الخسران إذا حصل من دون القول إن الجائزة كانت له وأُعطيَت لآخَر!
شدّدتُ في كلامي على «وعي» فرنسي في لغة رشيد الضعيف، وعلى أسلوب فرنسي في معالجة الرواية، لكنني لم أنسَ قَطّ أنه إبن زغرتا ، وإبن أهدن وابن بيئة الجبل الشمالي الماروني من لبنان. حتى الآن لا تنفك زغرتا تضغط على «الفرنسي» الذي فيه، وتعيده إلى طفولته وصباه. في روايته «ألواح» التي سميتُها «أرواح» هناك جرأة غير عادية في تناول مواضيع من الذاكرة. جرأة يعتبر البعض أنه قد يحاسَب عليها في مجتمع كالمجتمع اللبناني الذي لا يرضى بكشف الأب والأم في حياتهما البيتية، وخصالهما وتركيبة تفكيرهما وميولهما. هذا نوع من الحرُم ونحن نعرف روائيين كتبوا ما في الذاكرة المنزلية مع العائلة الكبرى بانفتاح وجِديّة ودقّة، وما زال يلاحقهم إلى الآن ما كتبوه. ليس عند رشيد الضعيف ما قد يظنه البعض فضائح بل إشارات مبطنة مرّ عليها في السرد مرور كرامٍ، والأغلب لكي يكون الكاتب صادقاً مع نفسه. ومسألة الذاكرة ميزان على أساسه يتكشّف الصادق من المنافق. أغلب ما يُكتب عن الأهل في الروايات، أقول أغلب، هو من الكذب الصّراح، وإذا لم يكن كذلك فعلى الأرجح هو انجراف نحو النفاق والتدليس والطبطبة، أو هو تعمية كاملة. والروائي عادة يستفيض في نبش الماضي والحاضر ومستقبل شخصياته إذا استطاع، لكنه يجبن أمام ذاكرته الشخصية أن تُرى مكتوبة في رواية أو نص أدبي أو حتى قصيدة بقلمه، ويعتبر إن التقيّة هي أفضل الطرق. يتقي نفسه وأهله وطفولته وشبابه ومراهقته، وما في الحياة عيب إلا ما صنّفناه نحن عيباً. والعيب عند كاتب ليس عيباً عند آخر. والمواقف والعواطف وعواصف الحياة مرهونة بمن يحسن التعاطي معها، بودّ وأريحيّة إذا أراد مناقشتها بعقله البارد، أمّا اعتمادُ اللف والدوران عليها فذاك احْتماءٌ أدبي متأخّر مما يسمّونه مرضاً خفياً!
هل يمكن القول إن رشيد الضعيف أقدر على خدمة طلّابه في الجامعات التي يعلّم فيها أكثر من خدمة نفسه؟ الجواب المباشَر نعَم. ذلك أنه يرتبط بعلاقةِ محبة مُعَبَّر عنها بينه وبينهم. يثق بمن يوجِب بذاته الثقةَ به، ويهتم بمن هو أهل للاهتمام، أصحاب الموهبة. ويسَخّر معرفته بدور النشر والمؤسسات الصحفية لإعطائهم فرصاً، ولدفعهم إلى الكتابة، كمن يبحث عن اللقية الثمينة فإذا وجدها لمّعها وظَهّرها. وينصحهم دائماً بالكتابة في الوقت المناسب الذي يرونه لا في الوقت الذي يقرّرونه للكتابة. فالكتابة والأفكار والصياغات لا تأتي رغماً عنها، بل تختار هي وقتها وعلى الكاتب أن يكون حاضراً لها. وما يعطيه لطلّابه من الخبرة، هو نفسُه أحيانا يتجاوزَه، في كتابة روايته فيقع في مطبّ، كأنْ يكتب في وقت مشدود بأمر آخَر. ولشِدّة حساسية لحظات الكتابة، يظهَر التسرّع عنده في فصلٍ من رواية مثلاً، واضحاً، وكذلك في قطع الوصْل بين حالة وحالة لأبطال الرواية بطريقة تَجني على الحالتين. هي عادة سيئة تتبين عموماً لدى الكُتّاب في الرواية وفي كل فنون الكتابة، شِعراً ونثراً. اختلاط الأفكار وتشابكها وتضاربها أحيانا، والفروق التي بين هذا الشخص وذاك في السرد، تُجبر على التأني، وإلّا سينتهي الفصل أو المقطع على زغَل. هناك بعض التباين بين قوة البناء الحكائي في مكان، وضعفه في مكان مقابل. واحتراف رشيد الضعيف يغطي هذه النواقص، بخياله المركّب ليبعدها عن المراقبة الحادة!
ورشيد الضعيف المكرَّس في اللغة العربية، والحاضر في الحياة الثقافية اللبنانية، صاحب لِسان قصير. لا يثرثر. لا يُبربر. ورأيه في الأمور الثقافية التي يعرفها مبني على إدراكٍ متابِع، أما الأمور التي لا يعرفها فلا حرجَ لديه ليسأل عنها. وإذا كان البعض يطبق نظرية «السؤال ذُل ولو أين الطريق» فإن السؤال عند رشيد نور لإضاءة الطريق. وما أن يحبّ شيئاً حتى يقوله بكل قلب. وما أن يكره شيئاً حتى «ينامَ» عليه بصمت. ليس الرأي عنده فخفخة أو حذلقة أو تورية. أحبكَ تعني أحبكَ ولا تؤدي معنىً آخَر. ولا أحبكَ تعني أنني لست مضطرّاً إلى إعلانها. متأمّل بالحياة والدنيا والناس ولكن بغير ادعاء فلسفة أو تشييد حلول للعالَم. ولست أدري ما إذا كان ما يزال مصرّاً على ذلك السؤال الذي طرحه علينا في قصيدة نثرية «إذا كان الماءُ ليُنبِت الزرع فلماذا تمطرُ فوق المدن؟».