بيروت - لبنان

اخر الأخبار

19 شباط 2026 12:00ص رمضان في الوجدان العربي(2)

ليلة الرؤية.. ملحمة الترقُّب وعرس السماء

حجم الخط
إذا كان رمضان هو «سيد الشهور»، فإن ليلة الرؤية هي «بوابة اليقين» التي يعبر من خلالها مئات الملايين من العرب والمسلمين نحو زمنهم القدسي. في هذه الليلة، لا تتوجه العيون فقط نحو الأفق، بل تتوجه القلوب في حالة من الترقب الجماعي الذي قلما يتكرر في التاريخ الإنساني. إنها الليلة التي يختلط فيها العلم بالفلك، والشرع بالشهادة، والفرح بالهتاف. فكيف تحولت «رؤية الهلال» في الوجدان العربي من مجرد مراقبة فلكية إلى «عرس سماوي» تشارك فيه الدول والشعوب على حد سواء؟ 

• «دكة القضاة».. مراسم الرؤية في التاريخ تاريخياً، كانت ليلة الرؤية تُدار كعملية استخباراتية وروحية كبرى. يذكر المؤرخ المقريزي أن القضاة في مصر المملوكية كانوا يخرجون في موكب رسمي مهيب يُسمى «موكب الرؤية»، يتوجهون فيه إلى الأماكن المرتفعة (مثل مآذن جامع ابن طولون أو سفوح جبل المقطم) لرصد الخيط الفضي الأول. وفي دمشق، يصف ابن كنان كيف كان «الميقاتيون» والعلماء يترقبون الهلال من فوق مئذنة العروس بالجامع الأموي. وبمجرد ثبوت الرؤية، كانت تُشعل النيران فوق القلاع والمآذن لتصل البشرى إلى القرى والبوادي، ويخرج «المنادون» في الحارات بعبارة تزلزل السكون: «يا صائمين.. غداً من رمضان». 

• مكة والمدينة.. بوصلة الرؤية العالمية في السعودية ودول الخليج، ليلة الرؤية هي ليلة «الاستنفار الروحي». تتوجه الأنظار نحو المحكمة العليا ونحو المراصد الموزعة في «سدير» و«تمير» ومكة والمدينة. في الوجدان الخليجي، ارتبطت الرؤية قديماً بالخروج إلى «البر» أو المناطق المرتفعة بعيداً عن أضواء المدن. يذكر كبار السن أن رصد الهلال كان مهارة يتوارثها الرجال، حيث تُعرف «منازل القمر» بدقة متناهية. واليوم، رغم استخدام التلسكوبات المتطورة، لا يزال «الشاهد» الذي يرى الهلال بعينه المجردة هو بطل الليلة، حيث يُحتفى به رسمياً وشعبياً كحاملٍ لـ «بشرى الأمة». 

• مصر وبلاد الشام.. الاحتفال الشعبي والمواكب في القاهرة، لا يزال طقس «استطلاع الهلال» في دار الإفتاء المصرية يحمل طابعاً احتفالياً يجمع بين المهابة والفرح. يذكر التراث المصري أن ليلة الرؤية كانت تشهد خروج طوائف الحرفيين في مواكب، كل طائفة تحمل مشاعل وفوانيس، مرددين الأناشيد الدينية. وفي بيروت ودمشق وفلسطين، كانت ليلة الرؤية ليلة «الاستعداد الأخير»؛ حيث تُفتح المساجد للتكبير، وتُضاء «المحيا» (الأنوار الممتدة بين المآذن)، ويتبادل الناس عبارات «رمضان كريم» قبل أن يثبت الهلال رسمياً، في حالة من «التفاؤل الإيماني». 

• المغرب العربي.. «البواردي» ونفحات الأندلس في دول المغرب العربي (المغرب، تونس، الجزائر)، تأخذ ليلة الرؤية طابعاً فريداً بوجود «البواردي» أو من يطلقون المدافع والبارود ترحيباً بالهلال. في المغرب، وبمجرد الإعلان عن الرؤية، يرتدي الناس الملابس التقليدية (الجلابة والبلغة)، وتُبخر البيوت بالعود والجاوي. في تونس، يبرز طقس «الخرجة»، وهي مسيرة بالدفوف والأناشيد تخرج من الزوايا والمساجد العريقة لتجوب الشوارع، معلنةً انتهاء «زمن الفطر» وبدء «زمن البركة».

 • اليمن والعراق.. القمم المشتعلة وسوق الصفافير في اليمن، وتحديداً في المناطق الجبلية، كان الاستعداد لليلة الرؤية يشمل جمع الحطب فوق قمم الجبال. وبمجرد ثبوت الهلال، تُشعل «نيران البشارة»، لتنتقل الرؤية بصرياً من جبل إلى جبل في مشهد مهيب يربط المدن بالقرى النائية. في العراق، يزدحم «سوق الصفافير» و»سوق الشورجة» في ليلة الرؤية، حيث يشتري الناس مستلزمات السحور الأول. ويحرص العراقيون على النظر إلى الهلال ثم النظر في «مرآة» أو في «وجه طفل جميل» تفاؤلاً بأن يكون الشهر مباركاً وجميلاً. 

• الرؤية في السودان وموريتانيا.. «الزفة» و»الزغبة» في السودان، تخرج الطريقة الصوفية في «زفة» كبرى تجوب شوارع أم درمان والخرطوم بالطبول والأعلام الخضراء، وهي مسيرة تُعلم الناس بأن غداً هو الصيام. في موريتانيا، يرتبط ثبوت الهلال بطقس «زغبة رمضان» الذي أشرنا إليه سابقاً؛ حيث يبدأ الرجال بحلاقة رؤوسهم فور سماع الخبر، استعداداً للتحول الروحي والجسدي الكامل. 

• «ليلة الشك».. القلق الجميل تُسمى ليلة الرؤية أحياناً بـ «ليلة الشك»، وهذا «الشك» في الوجدان العربي ليس شكاً في الدين، بل هو «قلق المحب» المنتظر. حالة الترقب هذه تصنع نوعاً من «التوحد القومي»؛ إذ يتابع العربي في المحيط أخبار الرؤية في الخليج، والعكس صحيح، مما يجعل من الهلال «خيطاً» ينسج وحدة الأمة في ليلة واحدة. **** إن ليلة الرؤية في الوجدان العربي هي «الشهيق العظيم» الذي تأخذه الأمة قبل أن تغوص في بحر الصيام. هي الليلة التي يتصالح فيها الإنسان مع السماء، ويراقب فيها خيط النور الذي سيوجه بوصلته لثلاثين يوماً. من فوق مآذن القاهرة إلى قمم جبال اليمن، ومن مراصد السعودية إلى زوايا المغرب، يظل الهلال هو «تاج الزمان» الذي يكلل جبين الأمة بالفرح، معلناً أن رحلة النور قد بدأت من جديد.