حين يحل رمضان، يرتدي العالم العربي حلة من الضوء تجعل من ليله نهاراً مشرقاً بفيوض الروح والجمال. إن زينة رمضان في الوجدان العربي ليست مجرد «ديكور» عابر أو ترفاً بصرياً، بل هي لغة تعلن سيادة الشهر الكريم على الأمكنة والنفوس. من قناديل القاهرة التي أرخت لفن الإضاءة، إلى ثريات المساجد العثمانية في الشام، وصولاً إلى أضواء «اللد» الحديثة في الخليج، تروي زينة رمضان قصة أمة تتقن الاحتفاء بالجمال والنور كفعل تعبدي. •»تنوير الجوامع».. مراسيم الوقود والشموع في كتب التاريخ إنارة المساجد هي الطقس الأقدم والأكثر هيبة في استقبال رمضان. يذكر المؤرخ تقي الدين المقريزي في «الخطط» أن الدولة في العصر الفاطمي والمملوكي كانت تولي «الوقود» أهمية سيادية. فقبل رمضان بشهر، يُصدر «ديوان الإنشاء» أوامر بصرف أطنان من الزيت والشموع لإنارة المآذن والقباب. ويصف القلقشندي في «صبح الأعشى» كيف كانت المآذن في رمضان تُزين بـ «القناديل المعلقة» التي تُصف بطريقة هندسية تُرى من مسافات بعيدة، فكانت المئذنة تتحول إلى «منارة» حقيقية تهدي الصائمين. وفي دمشق، يروي المؤرخ ابن كنان في «يوميات شامية» أن الجامع الأموي كان يُضاء بآلاف القناديل التي تستهلك كميات هائلة من زيت الزيتون الصافي، وكان يُخصص «وقادون» محترفون لا ينطفئ لهم سراح طوال الليل الرمضاني، مما يمنح المدينة هيبة لا تضاهى. •الفانوس المصري.. من «شعلة المعز» إلى أيقونة الهوية لا يمكن الحديث عن زينة رمضان دون التوقف عند «الفانوس». بدأت قصته في مصر، ويروي المؤرخون أن أصله يعود لليلة دخول الخليفة المعز لدين الله الفاطمي للقاهرة، حيث خرج المصريون لاستقباله بالشموع الموضوعة داخل أطر خشبية وجلدية لإنارة الطريق. تطور الفانوس عبر العصور، حتى أصبح في العصر المملوكي مهنة قائمة بذاتها تتركز في «باب الخلق» و»السيدة زينب». يذكر أن الفانوس كان وسيلة الأطفال للإضاءة أثناء مرافقتهم لـ «المسحراتي»، ثم تحول بمرور الزمن إلى قطعة فنية تُصنع من الصفيح والزجاج الملون بنقوش عربية وإسلامية. اليوم، لا تكتمل زينة الحارات في مصر والشام إلا بـ «الفانوس الضخم» الذي يُعلق في منتصف الزقاق، ليكون بمثابة «شمس الحارة» التي تجتمع حولها حبال الزينة المصنوعة من الورق أو القماش «الخيامي» المزركش.
•بلاد الشام وفلسطين.. أقواس النور وزينة «الحارات العتيقة» في دمشق وبيروت والقدس، تكتسب الزينة بعداً اجتماعياً تشاركياً. في القدس المحتلة، يبرز التحدي والجمال في تزيين «باب العامود» وأزقة البلدة القديمة. يتسابق الشباب المقدسي في ابتكار أقواس ضوئية عملاقة، وتُزين مداخل البيوت الحجرية القديمة بـ «أهلة النيون» الخضراء، وهو ما يوثقه الباحثون كنوع من التمسك بالهوية العربية للمدينة المقدسة. وفي بيروت القديمة، كانت «زينة رمضان» تبدأ من الأسواق، حيث تُعلق القناديل الورقية الملونة بين الدكاكين المتقابلة. وفي دمشق، كان يُطلق على تزيين الحارة اسم «نصبة رمضان»، حيث تُفرش «الستائر» الرمضانية وتُعلق النجوم والمآذن الخشبية المضيئة، مما يحول الحارة إلى ما يشبه «المجلس الواحد» الكبير الذي يوحد الجيران تحت سقف من الضوء.
•دول الخليج العربي.. فخامة الضوء ومجالس «الميلس» في دول الخليج كالسعودية والكويت والإمارات، تأخذ الزينة طابعاً عصرياً باهراً يعكس الكرم والبهجة. تضاء واجهات المنازل بالكامل بـ «عقود اللؤلؤ الضوئي»، وتُنصب في الميادين العامة مجسمات ضخمة اللهلال والنجوم. في مكة المكرمة والمدينة المنورة، تكتسب الإنارة صبغة روحانية خاصة؛ حيث تُضاء المنطقة المحيطة بالحرمين الشريفين بكشافات بيضاء وخضراء تُرى من الفضاء. وفي نجد والحجاز، تبرز زينة «المجالس» الداخلية، حيث تُستخدم الفوانيس النحاسية الفاخرة التي تعكس ظلالاً هندسية (أرابيسك) على الجدران، وتُفرش المفارش الرمضانية المطرزة، مما يخلق أجواءً من السكينة والرفاهية الروحية لاستقبال المهنئين.
•المغرب العربي.. «تبييض» المساجد وإنارة «الصوامع» في دول المغرب العربي، الزينة هي فعل «تطهير وتنوير». ففي المغرب وتونس أن الاستعداد لرمضان يبدأ بـ «تبييض الجدران» بالجير الأبيض الناصع، وهو ما يجعل المدن تبدو كأنها «لؤلؤة» تحت الضوء. في ليل رمضان، تضاء «صوامع» المساجد (المآذن المربعة) بطريقة فريدة، حيث تُعلق المصابيح الزيتية قديماً، والكهربائية حديثاً، لتشكل إطاراً مضيئاً يحيط بقمة الصومعة. وفي الداخل، تُلمع الثريات النحاسية الضخمة التي تعود لقرون مضت، وتُضاء الشموع الفاخرة في «المحاريب»، مما يمنح صلاة التراويح جواً أندلسياً مهيباً يمتزج فيه ضوء الشموع بعبق البخور والجاوي.
•العراق واليمن والسودان.. فنون «الشورجة» ونار القمم في العراق تبدأ زينة رمضان من الأسواق التاريخية كـ «الشورجة» و»شارع المتنبي»، حيث تضاء المحلات بالنجوم الملونة، وتُعلق فوانيس «البغداديات» القديمة في المقاهي التي تستعد لاستقبال لاعبي «المحيبس». أما في اليمن بالإضافة إلى طلاء المساجد، تبرز «نيران القمم» التي ذكرناها سابقاً، ولكنها هنا تعمل كـ «زينة طبيعية»؛ حيث تتلألأ قمم الجبال بالنيران المشتعلة، مما يخلق توازناً بصرياً مع مآذن صنعاء المضاءة بـ «القمريات» (الزجاج الملون في النوافذ) التي تعكس ألوان قوس قزح في شوارع المدينة القديمة. في السودان تبدأ الزينة من «الساحات»؛ حيث تُضاء المصابيح الورقية البسيطة الملونة فوق أماكن «الإفطار الجماعي» في الشوارع، وتصطف أباريق الوضوء الملونة كجزء من جماليات المكان، مما يضفي لمسة من البساطة والصدق على المشهد الرمضاني.
•فلسفة الضوء.. رمضان كـ «ثورة ضد العتمة» «زينة رمضان» هي تعبير عن انتصار النور على العتمة، والروح على المادة. إن إنارة المساجد والشوارع في هذا الشهر تهدف إلى خلق «عالم موازي» ينسى فيه الإنسان هموم العيش لينغمس في ملكوت العبادة والبهجة. إنها «جغرافيا الضوء» التي تمتد من طنجة إلى مسقط، لتؤكد أن العرب، رغم جراحهم، لا يزالون يملكون القدرة على إضاءة مدنهم وقلوبهم بمجرد أن يطل هلال رمضان. **** إن زينة رمضان هي «رسالة حب» يكتبها العربي بالضوء واللون على جدران مدنه. من القنديل الزيتي العتيق إلى تقنيات «الديجيتال» الحديثة، تظل فلسفة الزينة واحدة: الاحتفاء بضيف عزيز يستحق أن تُفتح له القلوب قبل الأبواب، وأن تُضاء له المآذن لتصل أنوارها إلى عنان السماء. ستظل «حبال الزينة» هي العروة الوثقى التي تربط بين أجيال الأمة، وتحفظ لرمضان هيبته الجمالية في الوجدان العربي.