في سكون الليل الرمضاني، وقبل أن تتنفس الأرض بنور الفجر، يرتفع صوتٌ يقطع الصمت برقة، ليوقظ في النفوس. إنه المسحراتي، تلك الشخصية الوجدانية التي لا يكتمل مشهد رمضان بدونها. المسحراتي ليس مجرد وسيلة لإيقاظ الصائمين، بل هو «حارس الذاكرة» ومؤرخ الحارات، والناطق الرسمي باسم السحر في الوجدان العربي. من طبلة القاهرة الصداحة، إلى «توشيحات» دمشق، وصيحات «أهل الفريج» في الخليج، تروي لنا هذه المهنة قصة عشق بين الإنسان والزمن الرمضاني الممتد عبر القرون.
•تاريخ «التسحير».. من نداء المؤذن إلى طبلة القاضي لم تكن مهنة المسحراتي وليدة الصدفة، بل مرت بمراحل تاريخية وثقتها أمهات الكتب. يذكر المقريزي في «الخطط» أن أول من قام بالتسحير في الإسلام كان الصحابي الجليل بلال بن رباح، الذي كان يؤذن بليل ليوقظ الناس، بينما يؤذن ابن أم مكتوم لصلاة الفجر. أما المسحراتي «المهني» الأول، فكان عتبة بن إسحاق، والي مصر في العصر العباسي، الذي كان يخرج بنفسه من مدينة العسكر إلى جامع عمرو بن العاص منادياً: «يا عباد لله تسحروا فإن في السحور بركة». ويشير ابن الجوزي في «المنتظم» إلى أن أهل بغداد كانوا يبتكرون طرقاً شتى للتسحير، منها «الدق على الأبواب» بالعصي الخشبية، قبل أن تدخل «الطبلة» (البازة) كأداة رسمية في العصر الفاطمي، حيث كان لكل حي مسحراتي خاص به، يكتب أسماء السكان في دفتر ليتمكن من مناداتهم بأسمائهم في جو من المودة.
•الخليج العربي.. «أبو طبيلة» وأهازيج الفريج في دول الخليج العربي، يتخذ المسحراتي طابعاً جماعياً وأليفاً يُعرف بـ «أبو طبيلة». في الكويت والبحرين وقطر والإمارات، لم يكن «أبو طبيلة» مجرد شخص يمر سريعاً، بل كان يطوف «الفريج» (الحي) بملابسه التقليدية، ضارباً على طبلة كبيرة معلقة بخيط في رقبته. في السعودية (الحجاز ونجد): يذكر الباحثون في التراث الحجازي أن المسحراتي في مكة والمدينة كان يسمى «الزمزمي»، وكان يحمل قنديلين في يده ليراه الناس من بعيد، وينادي بعبارات رخيمة مثل: «يا نايم وحد الدايم.. يا نايم اذكر لله». في الإمارات والكويت: كان «أبو طبيلة» يردد أهازيج شعبية تتضمن الدعاء لأهل البيت: «عساكم من عواده.. يا أهل البيت الكرام». وفي بعض الأحيان، كان يصطحب معه ابنه ليحمل له «الخريطة» (كيس من القماش) ليضع فيها ما يجود به الناس من تمر أو سكر كعربون محبة وتأكيداً على روح التكافل التي تجمع الجيران في تلك الليالي.
•بلاد الشام ومصر.. فن «التوشيح» ومسحراتي المحروسة في القاهرة، تحول المسحراتي إلى فنان حقيقي.
يذكر المؤرخ الجبرتي في «عجائب الآثار» أن المسحراتي المصري كان يلقي قصصاً وقصائد دينية أثناء سيره، ولم يقتصر دوره على النداء، بل كان «حكواتي الليل». وفي العصور المتأخرة، اشتهر المسحراتي بضربة «البازة» (طبلة نحاسية صغيرة)، حيث يضرب ثلاث ضربات ثم ينادي بلكنته المحببة: «إصحى يا نايم وحد الدايم». أما في دمشق وبيروت، فكان المسحراتي يمتلك طبقة صوتية رخيمة تشبه منشدي المآذن. كان المسحراتي كان يحفظ «شجرة العائلة» لكل بيت في الحارة، فيقف أمام كل باب وينادي رب الأسرة باسمه: «يا أبا فلان، تسحر يا جاري»، مما يعزز الروابط الاجتماعية.
وكان في دمشق ما يُعرف بـ «التسحير الجماعي» في بعض المساجد، حيث يجتمع مجموعة من «المسبحين» ويؤدون ابتهالات جماعية قبل الفجر، وهو طقس صوفي جميل يمتزج فيه الفن بالعبادة.
•المغرب العربي.. «النفّار» وصوامع النور في دول المغرب العربي (المغرب، الجزائر، تونس)، يأخذ المسحراتي اسماً مختلفاً هو «النفّار». والنفار هو الشخص الذي ينفخ في بوق نحاسي طويل (المزمار)، وهي عادة أندلسية الأصل. «النفّار» كان يرتدي «الجلباب» والبلغة، ويصعد أحياناً إلى صومعة المسجد لينفخ في بوقه ثلاث مرات، كإشارة للأحياء البعيدة لبدء السحور. وفي تونس والجزائر، كان يسمى «بوطبيلة»، وكان يتجول في الأزقة العتيقة منادياً بكلمات ممزوجة بالبخور والروائح الرمضانية، حيث يُستقبل بالترحاب وتُفتح له الأبواب ليأخذ نصيبه من «الزلابية» أو «المقروض».
•اليمن وعمان.. «المُفلح» ونداء الجبال في اليمن، وخاصة في صنعاء، لا يزال المسحراتي يسمى «المُفلح». يذكر المؤرخ الحجري أن المُفلح كان يحمل عصا طويلة يطرق بها على الأبواب الخشبية المزخرفة لصنعاء القديمة، مرتدياً الزي اليمني التقليدي. وفي سلطنة عمان، يبرز المسحراتي في الولايات العريقة مثل «نزوى» و«صور»، حيث يسير في الطرقات الضيقة وبين بساتين النخيل، منادياً بكلمات تذكر الناس بفضل الصدقة والقيام. في عمان، كان المسحراتي يمثل «ساعة الحي» التي لا تخطئ، وكان الناس يثقون بصوته أكثر من أي وسيلة أخرى، وفي نهاية الشهر، كان يُقام له احتفال بسيط يُعرف بـ «الوداعية» تكريماً لجهوده.
•السودان وموريتانيا.. «الدرويش» ومسحراتي البادية في السودان يأخذ المسحراتي طابعاً صوفياً بامتياز، حيث يخرج الشباب بمجموعات يقرعون الطبول (النوبات) وينشدون مدائح نبوية شجية. المسحراتي السوداني ليس فرداً دائماً، بل غالباً ما يكون مجموعة من المحبين الذين يطوفون الأحياء في حالة من الوجد، مما يحول السحر إلى احتفالية روحية كبرى. في موريتانيا نظراً للطابع البدوي، كان «التسحير» يتم عبر النداء العالي أو عبر طرق «القدور» في الخيام. يذكر الباحثون في التراث الشنقيطي أن «المسحراتي» كان غالباً من الشعراء الذين يرتجلون أبياتاً في مدح النبي صلوات لله عليه وتذكير الناس ببركة السحور وشرب «الزريق».
•أدبيات المسحراتي.. بين الفقه والفن لم يكن المسحراتي شخصاً عادياً، بل كان يشترط فيه قديماً أن يكون «عدلاً» (أي حسن السيرة) وعارفاً بالأوقات الفلكية. يذكر ابن الحاج في كتابه «المدخل» بعض آداب المسحراتي، منها ألا يرفع صوته أكثر من اللازم أمام بيوت المرضى، وأن يختار من القول أطيبه. إن «فن التسحير» أوجد نوعاً من الشعر الشعبي الخاص، مثل «الزجل» في مصر والشام، و»النبطي» في الخليج، حيث صيغت قصائد كاملة لا تُقال إلا في هذا الوقت من الليل، مما جعل المسحراتي حاملاً لثقافة أدبية شفهية نادرة.
* * * *
إن المسحراتي في الوجدان العربي هو «نبض الفجر» الذي يربط بين نومنا ويقظتنا الروحية. ورغم دخول التكنولوجيا وتعدد المنبهات الرقمية، يظل صوت المسحراتي وطبلته هما «الشيفرة» التي تفتح أبواب الحنين، وتذكرنا بأن رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو حالة من الوصل الإنساني العميق. سيظل «حارس الليل» يطوف في أزقتنا، شاهداً على أمة تعشق النور وتنتظر الفجر بصبر الموقنين.