بيروت - لبنان

اخر الأخبار

9 نيسان 2025 12:00ص سفر «نشيد الأناشيد» تدرّجٌ صوفيٌّ في ألحان المزامير العاشقة

حجم الخط
نسرين بلوط

في توحيدٍ كلّي بين رغبات الجسد وشغف القلب، وعبر أبياتٍ تجمع بين الشعر والنثر، ناقلات للقوى الانسانيّة التي حكمت منذ أمد الدهر، ينبلج سفر «نشيد الأناشيد» كالفجر الذي بلّله الندى، بلغةٍ تأويليّة قابلة للاحتمالات، نُسبت إلى الملك سليمان الذي أنشدها في ليلة عرسه، ثمّ تناقلت المحافل الرمزيّة مصدرها على أنّها كتبت بعد فتوحات الاسكندر، ثمّ رجّحت بعض التكهّنات بأنّه مزامير تنشد الروح المسيحيّة الخالصة، ولكن، ممّا لا شكّ فيه، بأنّ هذه القصائد العبريّة كانت محاولة جبّارة لصنع التاريخ القديم، الذي كرّس الانسان كنتاجٍ لنتاجه، وعكس حضارةً ساطعةً تكرّس جزءاً متعاظماً من عائدات ومسرّات ذلك العهد القديم..
وإذا كان الملك سليمان الذي اعتاد، حسب الروايات المتناقلة في الكتب المقدّسة، على تفقّد الطير يتحيّن الوثبات العشقيّة لبثّ مشاعر الغرام، قد أثّر في بلقيس رغم تناقضاتها الخاصة، وولج للبنية العميقة لعقيدتها المتراصة البنيان والمتوارثة عبر الأنساب، فسلب بسحره مجامع قلبها، يتميّز بذلك التأثير الساحق في سكب أشجانه بين الضلوع، فلا يجوز لنا أن نستخلصَ كما فعل سورين كيركغارد بأنّ الالتباس ضلالٌ مبهم، وأنّ المظاهر الغامضة للكلمات تنضحُ بعمقِ التعبير الرمزي للمحيط.
وكما ظهرت خطابات روبسبير التي تدلّل على أقوالٍ حادّةٍ تدعو للسلام وتندّد بالحرب والتخريب، يأتي كتاب نشيد الأناشيد رمزاً لاحتضان الانسان وترفيهه عبر العشق الخالد، عبر ترانيم مبهجة تجذب الآذان، وترسو في عمق الأحاسيس التي تشنّف نبضها للنور.
هكذا تسيل كلمات الغزل في هذه الأبيات: «أنا سوداء يا بنات أورشليم، كخيام قيدار، كشقق سليمان. لا تنظرن إلىّ لكوني سوداء، لأن الشمس قد لوَّحتني، غضب بنو أمّي عليَّ، ساموني نظارةَ الكروم، وكرْمي أنا لم أنطر».
وفي التاريخ، نُحتت ايزيس وفينوس وعشتار، ربّات العشق اللواتي تصطبغ وجوههنّ بخمرةٍ بنفسجيّة يتدلّى من خلالها لونُ أسمرٌ كاندماج أرجوان الغسق بإقبال الليل، وهذه الفتنةُ تغرقُ في الحميميّة الشبقيّة للجسد. وتتدرّجُ الكلماتُ كمدرّجاتٍ لعرش الملوك، منها:»دلّني حبيبي أين مراعيك»؟، «لقد شبّهتك يا حبيبتي بفرس في مركبات فرعون»، «الى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال ارجع وأشبه يا حبيبي الظبي أو غفر الأيائل على الجبال المشعبة»، «قنواتكِ فِردوسُ رمّان، وكلّ جنى شهيّ، حِناء وناردين، ناردين وزعفران، قصب وغار، وكلّ شجر اللبان»، 
«خدّاهُ خميلةُ طيب، ورُبى رياحين، شفتاهُ سوسنٌ، ومُرّاً خالصاً تقطران».
وفي قصيدة «سليمة»، التي تعني بالعبريّة السلام، تردُ الحروفُ مثل الغواني الحالمات بالليل العاشق: «عودي، يا سليمة، عودي، عودي لكي نراكِ عودي! كيف ترون سليمةً، راقصة بين صفّين، ما أجملَ القدمين بالخُفّين، يا بنت الأمير، دائرتا فخذيكِ عقدان نظّمتهما يدانِ ماهرتان، سُرّتُكِ كأسٌ لا يفرغُ من الخمور، وبطنُكِ عرْمَةُ حِنطَةٍ سيّجها السوسن، نهداكِ شادِنا ظبيةٍ توأمان».
هذا الوصفُ المتراخي في مساحته والذي يفتحُ آفاقاً للتأمّلات الحسيّة يبرزُ في جاذبيّةٍ أنيقةٍ تمهّدُ للشهوةٍ المتواريةِ وراء رغبةٍ مستعرة، تكحّلها الخمرُ المندلقةُ على سيقان الغزل، فتتداخلُ الحواسُ في غبطةٍ يختلطُ فيها الطهر الخيالي بالدنس المادي، وتندلجُ تحت مضمار «سليمة» التي تمثّل السلام، أي الواحةَ التي تُحيي الرحّالَ التائه من سفرٍ بعيد، وتضعُ عصارة الكدّ في كأس النشوة العارمة، وتحبسُ الأنفاس لتزفرَ قصائد من رخام، تشبه الميتافيزيقيا الدغمائية، التي تشوّه الواقع كي تنعشَ الخيال، وتبحرَ في طيّاته المهندمة على صفحة السماء.
وإذا كانت القصيدة تخرج في شكلها الأكثر عرياً وترقصُ بلا خجل، فهي غير منفرةٍ أو ثقيلة، بل تعرجُ ساريةً في الروح بمهارةٍ صلبة لا تتزحزحُ مع الانتقال إلى الجديد للبيت السابق.
وإذا كان الراوي الحقيقي أو المنشد الفعليّ لهذه الأبيات هو الملك سليمان، وقد توزّعت أصواتها بينه وبين امرأة وجوقةٍ أشبه بالجوقة الموسيقيّة، فالأصحّ بأنّه يبدع في تصوير الفلسفة المعلّقة بين الجسد والروح، وهذا الترابط الخفي بينهما، حيث تكمل الروح ما يراود الجسد من تقلّبات واحساسات، ويعزّز الجسد الافراط الكلّي في التمثيل للروح الولهى، وكأنّ الصيام جزء من العربدة، والعربدة ظلٌّ للتنسّك، والتجرّد مكمّلٌ أساسيٌّ للتجسّد، والتفتّح الحواسي متمّمٌ للصلاة الروحيّة الحقّة.
نشيد الأناشيد سفرٌ متشبّثٌ بالتاريخ ومتربّعٌ على بساط الابداع الزمني، يدلّلُ ولا يعلّل، فهو جمالٌ بلا غاية، لا هدف له سوى الاسترخاء تحت ظلال النخيل وبثّ النجوى بخفّة ورشاقة، في جمالٍ يشدّ الخطيئة بحبال الفضيلة الوثيقة في حلقةٍ تّتسع وتضيق حتّى تحقّق التدرّج الصوفي الحقيقي.