قيل لي، لماذا انخراطُك بالكلمة والتحليل السياسيّين في ما يجري في لبنان والعالَم العربي، وأنت في الأصل شاعر و(كنتَ) صاحب برنامج تلفزيوني ثقافي ينبغي أن تكون في منأى عن السياسة حمّالة الأوجُه؟
فأجبتُ: كنتُ وما زلتُ مؤمناً منذ خمسين عاماً هي أعوام عمري المهني، بأن لليهود مطامع مُضمَرة وكامنة، في لبنان والعالم العربي. وكتبتُ عن ذلك، مقالات وبحوثاً وعلّمتُ مادة الصراع العربي - الإسرائيلي في جامعة لبنانية. وكانت هناك «نظريات» عربية تقول.. إن «مطامع» إسرائيل اختلَقَها الرئيس عبد الناصر ليقوّي فكرته في الوحدة العربية، ثمّ تابعَت اختلاقها «الثورة الإيرانية» لتحمي نفسها. كانت كل الكتب السياسية والفكرية، العربية والأجنبية المُترجمة لكبار المفكرين، تضيء على تلك المطامع الجغرافية المُسْتَلّة من أساطير اليهود، والذاهبة عميقاً في وعيهم، يهوداً وصهاينة بلا فارق. وكان الواهنون العرَب، يوهموننا أنها «تراكيب» غير منطقية. لكنْ اليوم، لا اختلاق ولا وَهْم ولا تنظير. بنيامين نتنياهو، بنفسه قالها في كتابه أولاً، فقيل تلك أفكار لا تصدُق، وردّدها البارحة في مقابلة تلفزيونية، «متأثّراً وجدانياً»، معلناً أنه في «مهمة روحية تاريخية» يرى من خلالها (إسرائيل الكبرى) مفصحاً عن أيمانه المُطلَق بقرب تحقيق إسرائيل.. تلك «على أرض فلسطين ولبنان وسوريا والأردن ومصر». قالها هكذا عارية من التغليف، والمُداراة، وبثقة العازمِ على الاقتحام. فلسطين ولبنان وسوريا والأردن ومصر. خمسة بلاد عربية إسلامية تحت النار، ليصل نتنياهو إلى حُلْمه «الماشي» على أكثر من قدَم وساق.. عربيّتَين. ويقول في المقابلة: «الجيل اليهودي الأول أسّس دولة اليهود، أما الجيل اليهودي الجديد فعليه تحقيق إسرائيل الكبرى»!
وقبل أن يجفّ صدى صوت نتنياهو، طلَع من تركيا صوت رجب طيّب أردوغان أمام شباب حزبِهِ، في ١٣ آب، بأنهم (الشباب) جُهّزوا «للسير نحو.. مكة المكرّمة، على خُطى أجدادهم في الجيش العثماني»!
أنا الشاعر، القارئ بشغف جنوني، والمراقِب بدقّة وعمق طبيعيَّين، مجريات الصراع والحروب بيننا وبين إسرائيل، هل علَيّ أن أشتِمَ عبد الناصر على «أوهامه» الوحدوية، وأسُبّ «الثورة الإيرانية» على أفكارها «السلبية» تجاه إسرائيل، أم يتعيّن علَيّ الآن أن أشتِمَ كل مَن حمّلَ مصر وإيران مسؤولية الهزائم القديمة، والجديدة، بمجرّد أنهما قرّرا مواجهة هذا الأخطبوط اليهودي، فأُصيبت من قَبْلُ مصر، وأيران اليوم، بجراحات معنوية ومادية كبرى؟
كلام نتنياهو التلفزيوني الأخير، أكثر إنفاذاً مما ورَد في كتابه، انطلاقاً من أن «العرب لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون» كما جزَم موشيه دايان قائد الحروب اليهودية على بلاد العرب. خمسة بلدان عربية إسلامية أعلنَ نتنياهو بوضوح وقِح ومجنون وخُرافي أنه سيسيطر عليها سياسياً أو يحتلّها ميدانياً، لزوم نشأة «إسرائيل الكبرى» بأقصى ما يكون من «الثقة والعنفوان». فلا تسألوني رأيي أنا المُنحاز ضد إسرائيل منذ تبَصُّري بأفكار مقاوَمتها المبدئية لاحتلال فلسطين ومساحات من بلاد العرب عام ١٩٦٧، ثم منذ تعلّمت القراءة الصحّ والكتابة الصحّ، ورأيي أكتبه بلا هوادة. أنا أسأل المواطن العربي، أقلّه في الدول العربية الخمس المرصودة من نتنياهو، بماذا يشعر، وبماذا يفكّر تجاه خطط هذا الشّبِق للسلطة وللسيطرة على «جيرانه» القريبين والبعيدين؟ وما رأيه بعدم صدور أي ردّ خارج تقليد التنديد، من دوَل ذكَرها نتنياهو كهدف «إلهي» لهُ ثم جاء أردوغان يُكلّل المخطط النّجِس؟
فهل «بَيان الإدانة» الرمزي العربي هو المطلوب؟... وغياب لبنان الرسمي المشمول بخطة نتنياهو، عن الرد لا ببيان ولا بطرح الموضوع في جلسة الحكومة ألا يفرض أسئلة وطنية حادّة؟... وبالمقابل صمتُ القبور في الإقليم، وعمَل لا يهدأ على تمكين نتنياهو، وإسرائيل، والتوراة خلفهما، من الوصول إلى المبتغى، من دون أدنى انتباه إلى عواقب ذلك على العرب والعروبة والإسلام والقرآن (الذي يطالبون بتفجيره، آياتٍ ومعاني!) معاً؟
وإذا صعُب على مواطني الدوَل العربية أن يعبّروا عما في ضميرهم خشية السجن، أسأل أهل بلدي لبنان المنخرِطين بالضغوط في «المشروع»، أوَتستغربون اندفاعي إلى الكتابة السياسية، الناقدة غالباً، مع أنه دأبي من أربعين عاماً نشرتُ فيها مقالات مكثفة في «النهار» و«السفير» و«اللواء» وغيرهما؟ أمّا اليوم فهناك دوافع وجودية أعظم تستدعي انخراطي كلياً، كغيري، لا من الشعراء المرهوبين من سطوَة «الجوائز العربية الثقافية» فيستَجْدون الرضا في ابتعادهم عن «الشرّ والغناء له»، بل ممن يعتبر أن قضيته العربية الفكرية والثقافية في تحدٍّ مع الجهل السياسي والأمّية الوطنية خصوصاً في لبنان. كيف لا، ومواقف أغلب قادة الرأي وزعماء السياسة عندنا، تتحاشى مجرّد الكلام على مقاوَمة إسرائيل، وجيشُها في أرض وطنهم، ونتنياهو يَعِدُهم (لا يحذّرهم!) بالسيطرة عليها (وعليهم)، وهُم مُختبئون، في الزاوية المذهبية والطائفية التي أُمِروا بالالتزام بها، وعوّدَهم الخارج على ألا يروا أو يعوا شيئاً خارج المذاهب، ولو كان مُشيناً ومهيناً، وعجيباً ورهيباً. نتنياهو يفضح نفسه، بأكبر الموبقات العدوانية، وبذهنية الاستعمار الجديد، وهم يهوّنون المسائل، على جماعاتهم، كمن يقول لا تصدّقوا تصاريح نتنياهو، إنه يريد الشيعة فقط، أما أنتم ففي أمان الله و... إلخ. نتنياهو يَلهَج بصَلَف أنْ أنا آتٍ إليكم غازياً ومُحتلاً وسالباً إرادتكم الشخصية والوطنية، وهم يُحجّمون الخلفيات (وهي كارثة) بأنها ضد الشيعة حصراً.
يا أخي، مجنون يحكي وعاقل يفهم. أين الشيعة في فلسطين والأردن وسوريا ومصر؟ هناك أهل السنّة أغلبية كاسحة. الدوَل التي يضع نتنياهو عيونه عليها سُنيّة، وحكامها وكثير من شعوبها «مُصرّ» على التفكّير في «قضية» أخرى هي كيف نوقف المدّ الشيعي» «الأخطر من اليهودي» في نصوصِ فتَاوَى تُستعاد من ظلام ماضٍ مأفون؟ حتى أن بعض الدعاة يَدْعون إلى عدم قراءة كتُب الشيعة، «خشية الانجراف معهم». فهل المؤمن «لا تهزوا واقف عَ شوار» كي تمنعوا عنه كتُباً يبغي أن يعرف فيها حقيقة العقائد في الإسلام؟ إنه بالفعل المُحْكَم، حَرْفٌ لأبصار الناس عن الخطر الثابت والمُعلَن عنه، والموثّق، بالصور والصوت، والمتجدّد عن طموح اليهود إلى الاستيلاء لا على بعض البلاد العربية فحسب، بل أيضاً على المجتمعات العربية والإسلامية لتصبح بين «عبيد إسرائيل».. والدولة العبرية تَعتبر أن فكرةَ» عبيدها» في الغرب قد تمّت بنجاح، فتسعى لنَقْلِها إلينا. وهذا أيضاً معروف ومكَرّر في «فتَاوَى» حاخاماتهم، وعلى شاشات العالَم لا في الكواليس، يوجّهونها بالفم الملآن، جهاراً نهاراً، وبشخصيات كبيرة عندهم، وبهدوء الحكماء (حكماء بني صهيون).. وفيها أحَطّ ما يمكن من الأفكار عن سحق المدن والشعوب، وقتل الرجال والنساء والأطفال، خصوصاً الأطفال «الذين سيكبرون ويقاتلون اليهود». ومهمٌ أن شاشات التلفزة الغربية بأكثريّتها لم تعد تتحرّج من فضح تلك الجهنمية في التفكير تجاه العرب والإسلام، في وقتٍ غابت الشاشات العربية عن تبصير شعوبها بالمستقبل الأسوَد الذي يجاهر به اليهود «المتطرّفون» وكلهم متطرّفون ضدّنا، على رؤوس.. الشهداء والجرحى والمعوّقين والمشرّدين بمئات الآلاف.
وبدلاً من أن تستشيط جامعة الدول العربية، مثلاً، وتدعو العرب إلى الاستعداد لحروب الدفاع عن الأرض والتاريخ، صاح أمين عام الجامعة بأعلى عقيرة صوته.. مطالباً الأمم المتحدة بالتدخل، واستباق الأمور، وبأن تتحرك الشرعية الدولية فوراً لدرء الأخطار. كأنّ هذا الرجل لم يجرّب إسرائيل من قبل، ويغيب عن عقله، أن الدولة العبرية غير معنية بقرارات الشرعية الدولية المشرَّعة لخدمة إسرائيل، دائماً وأبداً. بل كأنه يختبر شخصية إسرائيل للمرة الأولى في حياته المهنية والسياسية.
ثم، ألا يعلم أحمد أبو الغيط، أن لجوء العرب إلى قرارات الشرعية الدولية، كان وما زال، سبباً في «زنْطَرة» إسرائيل علينا، واستبدادها بالفَتْكِ بنا، دولةً بعد دولة، كوننا عجزنا إرادياً وعن سابق تصور وتصميم عن مواجهتها بما يحفظ حقوقنا في أرضنا، ولم نفكّر يوماً في شكل جَماعي ضاغط ومؤثّر يُؤتي ثماراً، بل ننتظر الذئب المتوحّش أن يأكل إخوتنا، فُرادى، مُمَنين النفس بأننا، «دون غيرنا» من العرب، لسنا على لائحة المضروبين بشهوانيته الدموية.
وواهمٌ وعبيطٌ من يظن أن عند نتنياهو فرقاً بين سنّي وشيعي. فالمسلمون لا يوحّدُهم شيء قَدْرَ «وحدتهم» في نظرة نتنياهو إليهم. وسيكونون في تلك «الوحدة» ع السكين يا بطيخ، بعد أن يرتاح ويطمئن إلى أن التفريق المذهبي «العنصري» بينهم، والذي يُستجاب لهُ، قد أتت أُكُلُه، وتَسيّد «جَنَابُه» المشهد كاملاً.
أكرر للفائدة: لا شيعة في مصر وسوريا والأردن وفلسطين، أي في الدول التي شملها نتنياهو، بالحرب (المقبلة) عليها، لتركيعها عسكرياً وسياسياً. ومن كان يدّعي بأن نتنياهو يحيّد السنّة عليه أن يجيب، عن ذلك، الآن، إذا اعتبرنا أن سُنّة فلسطين.. إيرانيون! فماذا عن سُنّة سوريا المسروقة أرضهم سابقاً، وتجدّدت السرقة حاضراً، وقد «دغدغهُم» نتنياهو بالمزيد (عينُه على دمشق!) لكنهم غُابوا عن أمره إلى أمور أُخرى!
ويتبادرُ إلى حدسي، أن حرب نتنياهو على مصر (التي هدّدها في اعترافه اليهودي المذكور) بالضمّ، ستكون طاحنة إذا حصلت، وقد تقلب العالم العربي رأساً على عقب. لكن بعد ماذا؟ بعد.. «خراب البصرة». وتقديري أن نتنياهو لن يجد وقتاً أفضل من هذا الوقت الرخو للعرب، والمَتين له، لإنجاز «ترتيباته» الأمنية العربية على أكمل وجه يتمناه... ولنستمرّ نحن في ذهنيّة حاسِري الأبصار عن مآسي الحاضر وكوارثه لنبحث في الأهمّ والأكثر إلحاحاً والأكبر مستوىً... وهو ما إذا كان الأمام الحسين «رضي الله عنه»، محقاً في الخروج على يزيد «رضي الله عنه»، أم لا، ونتعادَى على هذا الأساس، ويذبح بعضنا المختلِفين عنه، بعقلية مَنْ أرسله الله للعالمين.. هادياً بالرصاص والسيوف والسكاكين!
لماذا جافيتُ الشّعرَ؟ لم أجافِه أصلاً، بل وجّهتُ قريحتي، فيه وبالكتابة السياسية، إلى عدوّي اليهودي، وصديق عدوّي الأميركي الذي «يؤمن» بسيطرة اليهود على العالَم، ويشحنُه لبلوغ أهدافه الصريحة باحتلال بلادي وخمس دول عربية، عسكرياً وسياسياً، بتشدّقٍ مريض، ونفسية وسخة، وعبر مراكمةِ الأسلحة والطائرات في ترسانته، بلا حدود. وشعراء كبار لا مثلي متواضعون كانوا ذهبوا هذا المذهب الثقافي وأبلوا فيه بلاء حسَناً، من نزار قباني إلى محمود درويش إلى أنسي الحاج إلى سعيد عقل إلى أدونيس.. وغيرهم.
يقولها نتنياهو بقباحة الأمبراطور إن «حقنا التاريخي في فلسطين ولبنان والأردن وسوريا ومصر» شارف على التجسّد، و«الخارطة (البلاد) اليهودية على أكتاف جنودنا الأبطال معلَنة»، فكيف لنا بعد هذا أن نُسَخّف الوقائع ونصفُها كَلَا شيء، وقد صارت خططاً على الأرض، ومتحرّكة صعوداً، ومدَعّمة بالتصريح عنها؟
وهل لمنطق «حايد عن ظهري بسيطة» في أي بلد عربي أن يسري، وذاك البلد موجود كهدف مُعلَن على خريطة أكتاف جنود الجيش الإسرائيلي؟
على الأقل هناك حرب طاحنة، وتهديدات مباشَرة، ومَوصوفة (على لسانَيّ ترامب ونتنياهو) بجهنم، في فلسطين ولبنان وسوريا وإيران، وعلى الأرض ما يشير باستكمالها حرباً تلمودية بوصف نتنياهو، لا تُبقي ولا تذَر، على بقية البلدان التي يحقد عليها؟
هو الخوف والضعف والتردّد، عوامل تمنع الاستيقاظ، من النوم على راحتي أميركا وإسرائيل. وحين قالت غولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل قبل خمسين عاماً إننا «سنُعيّن للعرب حكامهم في وقت قريب» لم تكن تلعب على أعصابنا.
وتسألونني.. لماذا أكتب في السياسة؟ بصراحة لأن هذا دوري. فليرتَح الشاعر قليلاً، وليتقدّم الإنسان فِيَّ الذي يريده نتنياهو منتظراً.. دوره في الموت!