«بكيت عاتبني دمعي على ألمي/ ضحكت أضحكت زاد الحب في قلمي
لن يهزم الموت أحبابي ولو رحلوا/ ما دام لي قلم حرّ ولي حلمي
أبدأ من هذه المقدمة حتى أقول إن الأحباب الراحلين والوارد ذكرهم في هذه المجموعة ما زالوا عندي أحياء يرزقون».
عن دار زمكان - بيروت، صدر أخيرا ديوان الشاعر طارق آل ناصر الدين - (95 ص.) تقريبا. وأما الغلاف فبريشة الفنانة التشكيلية خيرات الزين.
يحوي الديوان مجموعة قصائد تعود في معظمها لفن الكيد في الإخوانيات وفي الكيد السياسي. وهو فن شعري قديم برع فيه الشاعر الأموي، عبيد لله بن قيس الرقيات. ثم راج بين الشعراء زمانا طويلا في العصر العباسي والعصرين المملوكي والعثماني. وتبيأ أيضا وإنتعش في عصر النهضة. وكاد يغيب عن بال الشعراء في العصر الحديث، للإشتغال والإنشغال بتحديث فن الشعر، لولا أن الشاعر طارق آل ناصر الدين أدركه وأعاده إلينا من جديد، بحيث نقرأ فيه العذوبة «الحامضة»، وجماليات فن الكاريكاتير: والذي يحدث لنا شعرا، فن السخرية الراقي.
«محكمة...؟ وإنتصب الميزان.../ التاريخ يحاكم كل طغاة الأرض بلا إستئذان.../ جنكيز خان، تيمورلنك وهولاكو وسلاطين بني عثمان.../ نيرون ونابليون وهتلر وموسوليني كي لا يحتجّ الطليان.../ في الشرق الأوسط لن يستثني الأعراب ولا التكفيريين ولا الأخوان.../ في الأرض المحتلة كلّف عزرائيل بإسرائيل لكي يلغيها من ذاكرة الإنسان/ ضجّ الجمهور المحتشد وصاح ترامب وأين ترامب فردّ محاميه الفهمان/ ترامب سينجو منفردا ووحيدا بإسم القانون الدولي وبإسم لجان حقوق الإنسان/ هل يوجد في الكرة الأرضية محكمة تختص بإصدار الأحكام على الشيطان...؟؟».
لا يستثني الشاعر، أحدا من أصحابه، إلّا ويطاله بتقريظ حامض الطعم، أو بمدحة كاوية. أو بسخرية لاذعة. والسخرية عنده، إنما هي مدحة، والمدحة، إنما هي سخرية. وأما التقريظ، فهو نوع من أنواع التنبيه عن الغفلة، بحيث تتم المعادلات الصعبة والمحببة، بين الشاعر وبين أصدقائه وخلّانه ومعارفه، ويستيقظهم بشعره من مجتمع المغفلين.
«رباب وهي أيضا بنت عمي/ وأختك يا أخي حسن رباب/ أرقّ من النسيم على غصون/ وكالآساد إن هجم الذئاب/ وبنت تنوخ تأتي من خيام/ إذا ذكر الجهاد هي السحاب».
يلامس الشاعر طارق آل ناصر الدين، شعر المناسبات في ديوانه هذا. وهو يشكّل الجزء الثاني، من مطبوعته السابقة. جرى به على نسيج مجموعته التي ذكرت، تحت هذا العنوان. وقد ذهب فيه الشاعر إلى ما كان قد فاته من القول الجميل في أصحابه وأصدقائه ومعارفه، فإستدركهم، حتى ليكاد يعرف بالديوان المستدرك على ديوانه السابق: قصائد ضاحكة.
«أسكر بالمدامة والمدام؟/ على السكرين تعتع يا كلامي... و«بردون» إذا سجلت فاولا/ وقمت بضربه تحت الحزام.../ فيا نسب الربيع إليك ودّي/ وإجلالي وشكري وإحترامي».
جميل أن يؤاخي الشاعر بين العذوبة المستساغة وفن القول. وأجمل من ذلك، أن يكون صادرا عن كبد شاعر معنى في المجاميع والملتقيات، التي كانت تجمع الشعراء، وتزحمهم بالخاصة والعامة، وتشكّل لهم دوحة أو أيكة... أو قل ملتقى. هناك حيث تكون لهم مساحة من الحرية، يتصرفون فيها وقد نسي كل منهم نفسه، وأطلقها على سجيّتها. فكان الشاعر طارق آل ناصر الدين لها بالمرصاد، فإلتقطها ساخنة وجمّدها للحظتها، وخلّدها.
«على حبش الولائم كان حربا/ ومع «حبش» السفير على وئام/ «يشمّان» الورود بلا قطف/ وبعد (الشم) مأساة الزكام».
برهة الشعر تغيّر لونها مثل «السحلية»، بحيث يصعب على الشعراء التدقيق فيها، إلّا من أوتي هذا الفن بنبأ عظيم. والشاعر طارق آل ناصر الدين هو إبن بجدّتها، يعرف كيف يلتقط البرهة الهاربة ويخلّدها، مثل رسام أنيق، يشبكها أولا، ثم يعمل مسباره فيها، ويخرجها على غير مألوف الشعر، متقنا فيها فن الدهشة.
«قلمي تأهّب... والحياة تدور/ فضح الجميع وأظهر المستور/ هذي خيول الفن في ياخورها/ والخوف حين يكورن الياخور».
عمدة قصائد ضاحكة، بل سجلها الذي يغرف منه الشاعر، هو الأدب الهزلي و الساخر، والذي كان كثير الشيوع في المجالس والدواوين والبلاطات. وجميع الشعراء مرّوا ببابه تقريبا، غير أن القلائل منهم، من عرف كيف يؤاخي بين الشعر الهازل والشعر الأنيق. والمير طارق آل ناصر الدين، هو من هو، في عداد النخب من الشعراء الذين جمعوا في شعرهم، بل ربما في قصيدتهم الواحدة، بين هذين النوعين من الشعر الهازل والأنيق.
«سلام لله... ما هذا اللقاء../ وما هذا الجمال وكيف جاءوا.../ نجوم ثقافة ونجوم فن/ أحباء كرام... أصفياء.../ وناجي مثل عادته صديق/ أقلّ صفاته الحسنى السخاء».
الشاعر الساخر أو الأنيق، المير طارق، يمجُّ قصائده الضاحكة، كما يمجُّ سجائره: ينفضها على أوراقه وأكمامه وأثوابه، تماما كما ينفض سجائره على نسيج ثوبه، وربما في جيبه، كما يقول عنه خلّانه وأصدقاؤه و عارفوه. حالة من الشاعرية الآخاذة تنسيه كل شيء وهو يمجمج قصائده بطعم التبغ والتفل، وهل الشعر إلّا ذاك، يذهب إليه الشاعر وهو يهزّ منكبيه، ولا يعود إلينا من غمامه وليله، إلّا بوليد جديد، إلّا بقصيدة جديدة.
«أخي ناجي رآك بلا رجوع/ فبال على الظواة بلا تواني.../ وراح بندبه يبكي العذارى/ وقال «بمدحك» الشيء الفلاني...».
حالة الشعر تتلبّسه من غرّة حسن تعلوه، حتى أخمص القدمين. ترى قصائده الضاحكة ترفرف حوله، يثغو لها، فتأوي إلى ثغره واحدة واحدة. ما هذا فمه!.. فم وادٍ مهيب، حتى تطير منه القصائد كالأطيار في الصباح، ولا تأوي إليه إلّا مع المساء الجميل.
«هذا حشيشو لو حذفنا واوه/ كنا نوزعه هنا مجانا
خيرات أدمنا هواها كلنا/ في الخب حلل ربنا الإدمانا.../ خوفي أنا خيرات تعشق ظلها/ وتصير أحلام الجميع دخانا...؟».
متى يهدأ الشعر على بابه؟ هذا سؤال محيّر. أعتقد أنه دائم التربص به، أعتقد أيضا أنه يأتيه في نومه، يأتيه في المنامات التي تجعل مهجته تلهج به، كما تجعل لسانه يذرب بحلاوته. يتأتئ، يتهجى... ثم موج من الشعر إذ به يخلع عليه لبّه، يهدر على بابه، كما بحوره الضاجّة والصاخبة، في ليله وفي نهاره.
«من منكم زار النعيم وبكرا/ قبل الولوج إليه من جوف الثرى؟/ أنا قد فعلت... وفي يدي وثيقة/ خطت بحبر القلب هذي الأسطرا».
قصائد ضاحكة من نوع شعر العقص، وجده الشاعر فأبدع فيه، حتى صار أخوانه، يتمنون في سرّهم مثل خليلة خلا عنها صاحبها، أن يهديهم بيتا من «شعر عقص العشاق»، ينعشون به أبدانهم وأذهانهم ويترنّمون به دهرهم.
«وإلياس بلا شك أديب/ روائي طليعي الحوافز.../ وحين أراد إرضاء الصبايا/ رأى أن «الأفندي» غير جاهز».
ما هذا الشاعر الذي أذهل إخوانه، فصاروا يترصّدون درب الشعر عنده، يتحرشون به، بالمفهوم الشعري، الشبيه بالتحرش الجنسي، حين يصادفونه، ويصادفهم، وتحصل معجزة الإرتطام العذب الأليم بجدالية الرغبة المتبادلة على قاعدة من مفهوم: «كلما قلت له خذْ، قال هات». يتشهون فجور الشعر من فمه. يقولون ما أحلى «فجور المير»، حين يكسر جرّة الشعر أمامهم، وتسيل شعرا وعسلا وخمرا، فيعلوهم موج من السكر الشديد الضاحك.
«مياس ماست أدهشت بفنونها/ دنيا، وخلّد فنها الإلهام/ في «المونديال» شبابنا العربي قد/ بلغ المراد وحطّمت أرقام».
قصائد ضاحكة، لا تريك المير إلّا راكبا جمل الشعر، يهدر به، كما الفرزدق بين أوطان العرب. يرمي حيث يرمي بسهامه، فلا يندم على خطأ، ولا يزهو لإصابة. هو هكذا: حالة من الشعر: ضاحكا واثقا وأنيقا. يتم معجزاته دون أن يأبه لنا.. يروي نهره حقولنا وبساتيننا وداراتنا. ثم لا يلبث أن يجلس قبالتها، يرى كيف يتفتح عرائس وعرائش من ياسمين، على أكتافنا: على أكتاف من أصابهم بسهم بل بصوب عظيم.
«أصيخوا يا بني معروف سمعا/ فسلطان أباح لكم جهاده/ سويداء العروبة يا نسورا/ على جبل يحق له الريادة/ سيوف محمد كنا ونبقى/ وعن سورية الأحرار ذاده/ فيا صهيون لا تقرب إلينا/ فنحن نعلم الدنيا الشهادة..».
أستاذ في الجامعة اللبنانية