بيروت - لبنان

اخر الأخبار

29 آب 2025 12:00ص طقس اليوم

حجم الخط
سواءً كنت في بلدك، أم كنت في مغتربك، أنت أمام سؤال تقليدي، بعد أن تفتح عينيك وتنهض مع الصباح: السؤال عن الطقس. هذا السؤال هو فاتحة الصباحات كلها. تسأله، أو يسألك، في الصباح، لا خارج هذا الوقت: عن طقس اليوم، وعن درجة الحرارة، وعن أحوال الجو، وعن سرعة الهواء، وعن نسبة الرطوبة. هل هناك مطر؟ هل هناك إنفراجات؟ هل هناك صحو متقطع، أم صحو دائم؟ هل هناك غيم، غيوم. رياح؟
تريد أن تعرف أيضا سرعة الرياح. هل في الأفق عاصفة هوائية؟ أو عاصفة ماطرة؟ وكم تدوم العاصفة: يوما يومين أو ثلاثة أو أكثر؟
السؤال عن الطقس، عادة ما يكون متصلا بالفصل. تريد مثلا أن تعرف هذا اليوم من أيام الشتاء، أو هذا اليوم من أيام الصيف. تريد أن تعرف نكهة فصل الخريف، وطعم فصل الربيع. تريد أن تعرف مثلا حرائق الصيف وأخبارها، وحرائق الخريف وشدّتها، وسرعة الرياح التي تضربها. تريد أن تعرف مدى تأثير شدّة الرياح على موج البحر، وما إذا كنا أمام عاصفة بحرية عادية، أم أمام «تسونامي»، يغيّر واجهة المدينة ويغرق العمائر على الشطآن.
السؤال عن الطقس بعد تفتّح الضوء، بديهي، وأنت ترتدي أثوابك، وأنت تنتعل حذائك، وأنت تحضّر للخروج إلى عملك، أو الخروج في نزهتك، أو سفرك. فمن البداهة أن تتحضّر لتقلّبات الطقس. من البداهة، أن تكون أثوابك ملائمة لطقس اليوم.
هناك بلدان كثيرة، يسيطر عليها الطقس الرتيب: الحرارة الدائمة، أو البرودة الدائمة. وهناك بلدان تحتاج فيها، أن تتابع نشرات الطقس اليومية، حتى لا تفاجئك الطبيعة بغدرها.
في جميع البلدان، كانت العمائر والمساكن، كما العادات والتقاليد، تتماشى وعادة الطقس، تراها بُنيت على أساس ملامحها للأحوال الجوية فيها، وترى ألبسة الناس وأرديتهم، كما نعالهم، وكما أغطية رؤوسهم، كلها تنسجم إنسجاما طبيعيا، مع المحيط المناخي، ومع الطبيعة البيئية. وأما التقاليد والعادات، فهي مواكبة لصورة الطبيعة، وتعكسها وتنعكس فيها.
فرضت الحياة العصرية أنموذج الحداثة على جميع المواطن والبيئات، بشكل نسبي تقريبا، وذلك بحسب قدراتها المالية على المواكبة، فكانت الأهرامات الزجاجية، والجدران والأسقف الخشبية أو الطينية أو الورقية. حاولت الحداثة أن تسبق الطبيعة في البنيان والعمائر، وفي «المود» وفي الموضة، فما كانت تحسب حسابا لتبدّل الطبيعة، ولا لغضبها المفاجئ. اعتمدوا على صناعة الكهرباء اعتمادا كليا، وأنهم يعيشون بنعمتها، ويهنأون بعطائها الدائم: نورا وهواء وحرارة وماء، وأنها قادرة على تلبية جميع الحاجات السكنية. ما ظنوا يوما، أن الكهرباء ستنقطع، وأن البحيرات الصناعية يمكن أن تجفّ، وأن الينابيع المتدفقة، يمكن لها فجأة أن تغور، وأن تبطل عادتها في الثرثرة، بصورة كلية.
في البلاد العاقلة، كل شيء بحسابه الخاص، ويمكن أن يشمل أدقّ التفاصيل، حتى لا يقع الناس في الأزمات الصغرى أو الكبرى، وحتى لا يصابوا بالخيبة من الحداثة، وما يستجرّ إلى ديرتهم من نيرانها.
أمس كانت الصرخة، في الأبراج الزجاجية، من الإنحباس الحراري فيها، ومن إنقطاع الكهرباء عنها. علق من فيها، بما فيها، حتى كادوا يختنقون لإنقطاع الهواء، ولتوقف التهوئة، أمس كانت جميع السدود وجميع البرك الصناعية، تئنّ من الجفاف الذي أصابها. توقفت عن العمل فجأة، وهي تنتظر منّة السماء عليها. فلا خطة لإدارة الأزمات، ولا بدائل جاهزة. صار الناس إلى الولادة والثورة على الحداثة وأهلها ومن أتى بها.
الحداثة بإدارة متخلّفة، أشدّ إيذاء من القتل. فما بالكم إذا ما إجتمعت الحداثة وآلة الموت في يد واحدة.
السؤال عن الطقس، صار عندنا من الماضي، ونحن نسأل اليوم عن حال الحداثة وأمراضها، وعن حال الحرب وأقدارها. السؤال اليومي، كيف ننجو بأنفسنا من آلة الدمار؟ كيف لنا أن نحمي أنفسنا، من زخات الرصاص، بعد تبدّل الأحوال، جفّت الينابيع، وتوقفت الأمطار عن الإنهمار، وانقطعت الكهرباء، وأعملت آلة القتل والموت في أعناقنا!
فلمن نرفع شكايتنا...

أستاذ في الجامعة اللبنانية