تتمحور قصيدة «وهم الشاعر» للشاعر عبد الغني طليس وهي من ديوان سماوات الحب العشر حول شخصية الشاعر، وعلاقته بالكلمات، والقدرة السحرية التي يمتلكها في التأثير على الواقع من خلال شعره. هي قصيدة تتميّز بالأسلوب البلاغي القوي، والصور الشعرية التي تغني النص وتثريه. من خلال الألفاظ المنتقاة بعناية، ينتقل الشاعر بنا من مستوى التأمّل في معنى الشعر إلى مستوى الكون والحياة البشرية، في استعراض للقوة السحرية للكلمة، التي تملك القدرة على تحريك الأبعاد المادية والمعنوية على حد سواء. فهل للشعر قوة سحرية؟
تبدأ القصيدة بتقديم صورة ذات طابع أسطوري للشاعر الذي يمتلك القدرة على تحريك «موج البحر» بأمره «في طرف عين»، وكأن الشعر ليس مجرد كلمات تُكتب أو تُقال، بل هو قوة فاعلة قادرة على إحداث تغييرات في الكون. هذه البداية التي تحمل في طياتها المبالغة والغرابة تمهّد لتناول فكرة الشعر كقوة خارقة، بل كأنما هو قوة فطرية تصدر عن الشاعر في غمضة عين. اللغة هنا تبني عالماً غير محدودٍ بالشروط الواقعية، بل تطرح عالماً موازياً مملوءاً بالإمكانات اللامحدودة.
«تحرك موج البحر إنْ أنتَ تقصدُ وتأمُرُهُ في طَرْفِ عَينٍ» تُقدّم لنا صورة الشعر الذي يتحكم بالطبيعة بلمسةٍ واحدة من الشاعر، في هذا السياق تصبح الكلمات أقوى من الطبيعة نفسها، وبذلك يتضح لنا دور الشاعر ككائن يتجاوز حدود الزمان والمكان. هو قادر على أن يمسك بأيدي الكلمات، ويشكّل بها الواقع كما يشاء. فماذا عن فضاء الزمان والمكان عند الشاعر؟
عندما يتحدث الشاعر عن «مكانك في رأس الزمان» و«حرفكَ في أعلى الممالك يُعبَدُ»، يبدو أن الشاعر يشير إلى حالة من التقدير المطلق للكلمة والشعر. يشير إلى أنه في مكانة عالية، تجاوزت الزمن وأصبحت تُعبَد وتُحترم كما لو كانت هي الأساس الذي تحكم به مجريات الأمور. فالشاعر هنا ليس مجرد كاتب بل هو كائن يمتلك السلطة الروحية، العقلية والفكرية التي لا يقوى أي شيء على منافستها.
يستمر الشاعر في التأكيد على هذه الفكرة عبر عدة صور مجازية، حيث يشير إلى «شمس تستطيع التقاطها» وهو تعبير يدلّ على قدرة الشاعر على التفاعل مع الكون من خلال الشعر واحتواء كل مظاهر الضوء والمعرفة. في هذا المعنى، تتجاوز الشمس معانيها التقليدية في الثقافة العربية لتصبح رمزاً للقوة والعلم، وكل ما هو عميق ويشعّ نوراً في الظلام.
في القسم التالي من القصيدة، يلتقط الشاعر انعكاس تأثير شعره على الناس من خلال تصويرهم كـ «أسْرى غِوَايَةٍ تُمَرّرُها». هذا يشير إلى تأثير الشعر على المتلقّين، الذين يصبحون «أسْرى» لهذا الإغواء. الشاعر في هذه الحالة يزداد تحكّماً وفرضاً لهيبته على العقول، وكأن الكلمات أصبحت سيفاً ذو حدّين: ترفع الناس إلى السماوات أو تقودهم إلى الهاوية. الشاعر في هذا السياق ليس مجرد مبدع، بل هو أيضاً كائن قادر على توجيه العقول والتحكّم بها.
هذه الصورة تطرح تساؤلات عن أخلاقية استخدام الشعر والتأثير فيه، إذ أن الشاعر قد يكون في موضع المسؤولية. هل يحق له أن يستخدم هذا السحر لإغواء الناس، أو أن يتحمّل عبء التوجيه والإلهام؟
ومع هذا المدح والتمجيد للشعر في القصيدة، يظهر عنصر من التحدّي والمفارقة في النهاية: «ضَيَعانَ الشَّعر.. يبني تَخَيْلاً وفي الواقعِ العَرْيانِ لا شيء يَصْمُدُ». هكذا يبدو الشاعر متأملاً في جدوى الشعر في الواقع الفعلي، وكأن الشاعر نفسه في هذا العالم لا يملك القدرة على تغيير الواقع المادي المحسوس. وهذا التباين بين الخيال والشعور بالخيبة في مواجهة الواقع يطرح تساؤلات عميقة حول دور الشعر في عالم يمتلئ بالصعوبات والمشكلات.
هنا، تتضح صورة التوتر بين العالم المثالي الذي يبنيه الشاعر بالكلمات، وبين الواقع الذي قد يظل في مكانه رغم الجهد الشعري. هذا التناقض يشير إلى ذلك الصراع الداخلي الذي قد يشعر به الشاعر، حيث يظل الشعر وسيلة للتعبير، لكنه لا يملك بالضرورة القدرة على تغيير أو تغيير الحقيقة الثابتة.
في المقاطع الأخيرة، يهدّد الشاعر بقطع أنسال اللغات إذا لم تُفِدْ الكلمات المكتوبة في تحقيق غاياته: «سأقطع أنسال اللغات، إذا ارْتَخَتْ ولم تفعل المكتوب... إنّي أُهَدّدُ!». هذا النداء القوي يعكس الارتباط العميق بين الشاعر وكلماته، حيث تبدو اللغة بمثابة أداة فاعلة لها القدرة على التأثير أو الفشل. ومن خلال تهديده، يُظهر الشاعر حجم ما يضعه من أمل في الأدوات التي بين يديه، فهو يطالب باللغة أن تكون أكثر قوة وفعالية، وأن تكون قادرة على مواجهة تحديات الواقع.
القصيدة تعبير عن الصراع بين الكلمات والواقع، وبين الخيال والتجربة المعيشية. هي رحلة في عالم الإبداع والتأثير، حيث يرتفع الشعر إلى أفق غير محدود، ولكنه يعاني من مفارقات الواقع الذي يبقى ثابتاً. إن الشاعر في هذه القصيدة يشكّل شخصية ذات قدرة خارقة، ولكنه في نفس الوقت يشعر بالعجز إزاء واقعٍ صلب لا يمكن تجاوزه بسهولة. هذه الحيرة الوجودية بين الأمل واليأس تجعل القصيدة مليئة بالتوترات التي تعكس الواقع المعقّد للشاعر والفكر الإبداعي في زماننا.