بيروت - لبنان

اخر الأخبار

25 أيلول 2025 12:00ص عبد الله المصري يهدي «سوناتا» لروح زياد الرحباني

زياد الرحباني وعبدالله المصري زياد الرحباني وعبدالله المصري
حجم الخط
هالة نهرا(*)

زياد الرحباني - بظلّه الإبداعيّ والرؤيويّ الوارف، وبومضات النبوغ في أعماله الفنية الطليعية الخالدة - خلّف برحيله فراغاً كبيراً وولّد حزناً عميقاً ممتدّاً في المشهد الثقافي والفني اللبناني والعربي، ولدى عشّاق فنّه في العالم العربي والعالم. كلٌّ منّا عبّر على طريقته عن ألمه بتواري صاحب «أنا مش كافر». أحبَّ المؤلّف الموسيقي اللبناني اللامع عبدالله المصري أن يترجم ويجسّد وفائه لزياد في عملٍ موسيقي إبداعي جديد، راقٍ ونبيل وطازج، أهداه حديثاً إلى روح زياد إحياءً لذكراه.
عبدالله المصري المعروف عالمياً بسمفونياته وكونشرتوهاته الفريدة، ومقطوعاته التي عكست تجديداً لروح الموسيقى المشرقية العربية محافظةً في الوقت عينه على خصوصيّتها، كان صديق زياد الرحباني وكان زياد يستمع باهتمامٍ إلى أعمال عبدالله، كما صرّح زياد في حوارٍ إعلامي مصوَّر معه.
يقول لنا المصري إنه كان من المفترض أن يقود هو حفلات زياد الأخيرة في «بيت الدين» (لبنان) لكنّ الظروف حالت دون ذلك.
ويردف قائلاً أنه قد خيّمَ في الحقيقة على صدره كابوسٌ روحيّ ثقيل، ولا يزال يعاني منذ غياب زياد. شخصٌ حميمٌ وعزيز على قلبه غاب وكان لا بدّ من أن يحدّثه بلغته، بتعابيره. يخبرنا المصري: «لقد دفعني أيضاً كلامه عن اكتشافي إحدى مقطوعاته الموسيقية (عن ضريرين يعزفان على البيانو) وقال زياد إنّ ذلك قد أثّر به وإنني الوحيد الذي لاحظ تلك القطعة الحزينة. من هنا تأتّت فكرة عملي الذي أهديتُه إلى زياد، ألا وهو «سوناتا لآلتَيْ بيانو». ويتابع المصري: «تستبطن «السوناتا» هلاوسَ زمن موسيقى تلعب في وجداني كما لعبت في فضاء زياد؛ زاخرة بالحماسةِ المتلاشيةِ الصراخ والوداع. ممتلئة ببساطةٍ ظاهرية كما أحبّ أن تكون إبداعاته. التراجيديا تستوطنها في كل لحظاتها. إنه زياد الذي يتكلّم بهواجسي ولغتي التي ابتكرتُها ها هنا».
بعد هذه «السوناتا» أقفل عبد الله المصري صفحة زياد التي رمته من حدودٍ إلى حدود. وقد حلّ الآن وقتُ الصمت.
كذلك يُحدّثنا المصري عن سايكولوجيا التلقّي مثالاً ومدى تأثير «السوناتا» التي أرسلها منذ أيّام إلى صديقه «العتيق» وهو بروفيسور في إحدى الجامعات المرموقة. فعلّق من فرط اندهاشه: «يا لها من لوحة، لقد هزّتني هذه الموسيقى حتى الأعماق! إنها تتكلّم بذاتها، كإنما لم يخطّها إنسان قط. تحمل حزنها الدائم، حتى في سرعتها وإيقاعها المتكرّر، وحالما تندفع يحلّ خلوصُها متلاشيةً، كأنها تنصهر في الصمت. إنها موسيقى تُبدع لنفسها شكلاً خاصّاً، لا يمكن أن تُسمَّى ولا أن تُحَدّ. ختامها يذكّر «بآريا» (Aria) جان سيباستيان باخ «بالفا الصغير» (Fa mineur)، لكن بلمسةٍ راقصة فاتنة فتترك أثراً عميقاً لا يُنسى. عملٌ عبقريّ خالد».
أما برأيي وتقييمي، فتُعدّ نصوص عبدالله المصري نخبويّةً عموماً، تكتظّ بجمالٍ كونيٍّ عميق مغاير للسائد، علماً أنه قد ألّف عدداً من الأغاني التي تتدثر بطابعٍ شعبيّ نسبيّاً وهي متناغمة ميلوديّاً مع المزاج والذائقة الشعبيّين والنخبويّين في آن. أعماله التأليفية الرفيعة تهزّ سكون الراكد في الإدراك التأويليّ للمتلقّي وتُحرّك الوعي النقديّ، وهي طافحة بجرعاتٍ عالية ونوعية من التجريد الذهني في مسارات التراكيب والعمارات التأليفية الموسيقية. «السوناتا» الصادرة حديثاً التي ألّفها وأهداها إلى زياد الرحباني نتاجٌ فنيّ جارف في الإتقان، والصدقية، وفي مهارة كيفية تحويل الأسى والجرح إلى جمالٍ موسيقيّ تعبيريّ شفيف يبقى للتاريخ.

(*) كاتبة وناقدة وشاعرة