بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 كانون الثاني 2025 12:00ص في ذكرى ميلاد عبد الناصر: لمشروع قومي عصري تحديثي مستوحى من مبادئه

حجم الخط
في الخامس عشر من كانون الثاني، تطلُّ علينا ذكرى ميلاد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الرجل الذي طبع العصر الحديث بخطى قومية عربية لم تتوقف أصداؤها حتى اليوم. إنها ذكرى تعيدنا إلى لحظة ولادة المشروع القومي الأهم في تاريخنا الحديث، مشروع أضاء الطريق لأمة بأكملها، متحدية الاستعمار والتجزئة والتبعية...
في تاريخ الأمم، تبرز شخصيات استثنائية تسجل أسماؤها بحروف من نور في ذاكرة الشعوب، وتُبنى على رؤاها أحلام الأجيال. وفي تاريخنا العربي الحديث، لا يمكن أن نتحدث عن القومية والحرية والاستقلال دون أن نذكر جمال عبد الناصر، رجل جاء في زمن مثقل بالتحدّيات، حيث كانت الأمة العربية تموج تحت وطأة الاستعمار والتجزئة، فاختار أن يرفع راية الكرامة والوحدة.
عبد الناصر لم يكن زعيماً عادياً، بل كان تجسيداً لرؤية شاملة تهدف إلى استنهاض الأمة من سباتها، ورسم معالم مشروع قومي يرتكز على الوحدة والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني، تلك الرؤية التي بقدر ما كانت تعبيراً عن طموحات شعبه، كانت أيضاً إعلاناً عن حلم عربي كبير تجاوز الحدود، وأسس لأمل في التغيير والتنمية والتحرر من التبعية.
جمال عبد الناصر، قائد قوي وشخصية كاريزمية اعترف الجميع به وبقوة شخصيته وقدرته على حشد الجماهير، فهو زعيم قومي ورمز للقومية العربية، وقدوة للعديد من الحركات القومية في العالم. وساهم في زيادة الوعي بالقضية الفلسطينية في الغرب، ودفع الرأي العام الغربي إلى الضغط على حكوماتهم لدعم الحقوق الفلسطينية.
ما زالت شخصية عبد الناصر تُحدث نقاشاً مستمراً بين الأجيال حول دوره في التاريخ العربي، وماذا يمكن أن نتعلّم من تجربته في أكثر من إطار وليس إطار واحد.
تتأثر الرؤية بعبد الناصر بالفترة الزمنية التي ينظر منها الشخص إلى أحداث تلك الحقبة، بالتوجهات السياسية، فالمؤيدون للأنظمة الاستعمارية قد ينظرون إليه بشكل سلبي، والعكس صحيح.
عبد الناصر رمز الوحدة العربية بالنسبة للكثيرين، فهو لا يزال رمزاً للوحدة العربية، وحلم توحيد الأمة العربية كان أولويات الزعيم، ومقاوم الاستعمار سيظل بطلاً قاوم الاستعمار الغربي وحافظ على كرامة المصريين والأمة العربية.
جمال عبد الناصر شخصية مثيرة للجدل في التاريخ الحديث، وقد حظيت رؤى الغرب تجاهه بتقلّبات كبيرة على مرِّ السنين.
مرحلة الإعجاب الأولية بعبد الناصر في بداية حكمه، اعتبره الغرب قوةً مستقلةً يمكن التعامل معها، خاصة بعد نجاحه في تأميم قناة السويس ومواجهة العدوان الثلاثي. التي اعتبرها الغرب مرحلة الحذر والشك بعد الإعجاب.
مع تحوّل مصر نحو الاتحاد السوفيتي وتبنّيها لمبادئ الاشتراكية، زاد الحذر الغربي من عبد الناصر، ورأوه تهديداً لمصالحهم وبلغ التوتر ذروته خلال الحرب، حيث اعتبر الغرب أن هزيمة مصر هي انتصار لقيمه وأيديولوجيته. وبعد وفاته بدأ الغرب في إعادة تقييم دوره، وركّزوا على إنجازاته العظيمة في تطوير الدولة المصرية.
فقد ساهم عبد الناصر في تغيير الصورة النمطية السلبية عن العرب في الغرب، وجعلهم يرون العرب كشعب له طموحات وتطلّعات مشروعة.
اليوم، وبينما تواجه أمتنا تحدّيات مصيرية من احتلال وتفكك وتدخّلات أجنبية، تبدو الحاجة ماسّة إلى استلهام روح ناصر ومشروعه القومي الذي بقي شاهداً على قدرة الشعوب على كسر القيود، وتحدّي الواقع المفروض، وبناء مصيرها بيدها.
إن الحاجة الملحّة اليوم تتطلب مشروعاً قومياً جديداً مستوحى من المبادئ الناصرية، ولكن يتلاءم مع تحدّيات العصر الحديث. ينبغي أن يركّز هذا المشروع على:
- تعزيز التكامل الاقتصادي بين الدول العربية لتحقيق التنمية المستدامة.
- توحيد الجهود لمواجهة التدخّلات الأجنبية والهيمنة الإقليمية.
- الاستثمار في التعليم والابتكار لتمكين الشباب العربي من قيادة المستقبل.
- تعزيز التعاون الثقافي والإعلامي لإعادة صياغة الهوية العربية المشتركة.
هذا المشروع القومي لا يمكن أن يتحقق إلّا بإرادة سياسية صادقة ورؤية شاملة تضع مصالح الأمة فوق كل اعتبار. الشباب العربي، الذي يمثل القوة الحقيقية للأمة، عليه أن يكون المحرّك الأساسي لهذه النهضة، مستلهماً من تجربة عبد الناصر في تحويل الأحلام القومية إلى واقع ملموس.