متى يدركون ان رجالات الفكر، وأرباب الشعر، وحملة الأقلام أو الأزاميل، ينيرون أكثر من سواهم أذهان الأجيال، ولا يقلّون شأنا عن أولئك الأبطال الصناديد الذين يخوضون المعامع، ويناضلون عن الحمى، ويموتون وعلى أفواههم بسمة الشهادة! يذيبون أدمغتهم، ويفنون عيونهم، ويجعلون دماء قلوبهم حبرا يدفعون به الافتراء، ويثبتون باسهاماتهم الحقائق الحقيقية. إنهم في طليعة المجتمع النيّر الراقي.
وهبوا وزنات نموّها بكدّ اليمين وعرق الجبين، وإن تجلّى تأثيرهم بعد حين! ولكن، ما من إنسان فرد وهب الكمال في التفكير. فإنه يتميّز بمعطوبية دائمة حتى لدى هؤلاء المميّزين، وبأولى حجّة لدى عدد من «كبار» القوم قبل «صغارهم». فلطالما فشل المميّزون لسبب يجهلونه، ولكنهم نهضوا بشيء يعلمونه.
سواء كان الفرد طالبا أو عاملا أو مفكرا أو قائداً يعيش في دائرة كلها عمل وإبداع وبناء... قد يرفض التواني والخنوع طريقا إلى عزيمته، ولكن قد يجد الفشل مسلكا إليه في أعمال بسيطة أو جسيمة. فعلى المرء أن يسعى وأن يبذل جهده ولا ضير عليه إن لم ينجح في البداءة فيعيد الكرّة وهكذا دواليك، حتى يكون النجاح حليفه في النهاية. وبالصبر وحده يستطيع أن يتغلب على ما يواجهه من الصعاب، وبالمثابرة يدرك ما يصبو إليه.
مسرح الحياة يكشف لنا كل يوم معطوبيتنا فردا وجماعة. من جهلنا نخطئ ومن أخطائنا نتعلّم. هذه هي القاعدة الذهبية هنا، على الرغم من توافر مشتقات الجهل من تجاهل وتجهيل وسواهما، السائدة خصوصا في مجتمعاتنا حيث اختلطت المفاهيم وتداخلت المعايير. الحكومات الرشيدة مثلا تعلم ان الفضائل الأخلاقية تطغى على مرارة كل تفكير أو تدبير. فساعة الإخفاق لديها ولدى ناسها، تشحذ مقدرتهم، وتصقل مواهبهم للعمل من جديد إذا ما وجدت العزيمة، وتحاول شعوبهم ألا تخطئ ثانية لئلا تقع في الخطأ مرة أخرى فينطبق عليها القول: من اخطأ مرة فلجهله، ومن اخطأ ثانية فلحماقته!
أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه