أقامت الفنانة البصرية والاقتصادية كريستين كتّاني معرضها الفردي بعنوان «Currency of Decay» في غاليري جانين ربيز، حيث دمجت بين خبرتها في مجال الاقتصاد وتجربتها الفنية، لتخلق بُعداً جديداً يعيد النظر في العلاقة بين العملة والفن. يدعو المعرض المتلقّي إلى مراجعة ذاته وطرح التساؤلات حول النظام الاقتصادي من خلال تفكيك المعنى التقليدي للمال والقيمة.
من موقع المشاهد، يظهر التوتر بين أنظمة القيم، الأخلاق والمادة، المعاملات والعمل، وقوانين الطبيعة مثل الجاذبية والطيران. ومن خلال التشكيك في السرديات الكبرى، تكشف كتّاني عن وهم الاستقلال الاقتصادي، الذي قد يكون مجرد بناء قائم على خدعة بصرية.
الطائر واليد: بين الحرية والسيطرة
في أحد أعمال الفيديو في المعرض، تشكّل العلاقة بين اليد والطائر محوراً أساسياً، في مشهد يحاكي الواقع بطريقة مدهشة. يبدو وكأن الفنانة تسعى إلى تعطيل القوة المالية لمنحها بُعداً جمالياً، حيث تقارن بين اليد التي تحصي المال بالأصابع، والطيور التي تطير بحرية. اليد مقيّدة بالأرقام، بينما الطائر ينتمي إلى الهواء. غير أن أحد أكثر التحوّلات إدهاشاً في الفيديو هو تحوّل اليد نفسها إلى طائر، في حركة تصاعدية تحاكي الطيران والمقاومة. هنا، تتوقف اليد عن كونها مجرد أداة، وتبدأ باكتساب صفات التحليق، في إشارة إلى أن الحدود بين السيطرة والحرية ليست ثابتة، بل متحركة وسائلة.
تشير هذه المقاربة إلى أن المال، رغم كونه نظام تحكّم ملموس، لا ينتمي حقاً إلى من يحمله. الطيور لا تحصي، بل تتحرك بحرية. فهل تسلّط الفنانة الضوء على عبثية محاولة الاستحواذ على الثروة في عالمٍ تُصبح فيه الحرية الحقيقية بلا وزن؟
النقود الفضية الصامتة وعجلة العدّاد المسموع
بعيداً عن الفيديو، يتجلّى التناقض بين الصوت والصمت في أحد الأعمال التركيبية في المعرض. كتلة من العملات المعدنية، متشابكة ببعضها البعض، تدور بفعل دفع الجمهور لها، لكنها رغم احتكاكها بالأرض لا تصدر أي صوت. قد يكون ذلك بسبب خفّة وزنها وفراغها، في دلالة رمزية على أن هذه النقود أصبحت اللاشيء. فالعملات المعدنية عادةً ما تصدر ضجيجاً لتعلن عن وجودها، لكنها هنا تبدو وكأنها فقدت قيمتها الفعلية، لتُظهر لنا وهم الحركة الاقتصادية المنفصلة عن الواقع.
في المقابل، هناك صندوق صغير معلّق على الحائط، يحتوي على عجلة تشبه آلة عدّ النقود الورقية. على عكس العملات الصامتة، تصدر هذه العجلة صوتاً عند دورانها، كما لو كانت تعكس الحقيقة المالية بصخبها الميكانيكي. هذا التناقض يطرح تساؤلًا: هل القيمة المادية تكمن في الشيء ذاته، أم في النظام الذي يجبره على الحركة؟
تفكيك الرموز وإعادة تشكيل المعنى
في هذا المعرض، تعيد كتّاني وضع الرموز الاقتصادية المألوفة - النقود المعدنية، الأوراق النقدية، الأجساد البشرية، الأيدي، والطيور - في سياق جديد يغيّر دلالاتها. تتبنّى الفنانة روح (Minimalism)، حيث يغيب التمثيل المباشر لصالح الفراغ والاختزال، مما يولّد شعوراً بعدم الاستقرار.
الأعمال هنا ليست مجرد تمثيلات ثابتة، بل ألعاب مادية بين الصوت والصمت، والحركة والسكون. تخطّت كتّاني بذلك أخلاقيات الحداثة، ودفعتها إلى ما بعد الحداثة، وربما حتى إلى ما بعد ما بعد الحداثة.
نقد الأنظمة الاقتصادية والسياسية
في أجواء المعرض، يتحوّل التركيز من السخرية والتشكيك إلى تأمّل نقدي في أنظمة السلطة، في سياق انهيار اقتصادي وسياسي يشهده لبنان. تتجلّى في أعمال كتّاني ثنائية القوى الطبيعية -الجاذبية والطيران - إلى جانب النقد الاقتصادي، حيث تبدو الحرية خاضعة لقيود الواقع أكثر من كونها مفهوماً مطلقاً.
الاعتماد على تفاعل الجمهور في خلق المعنى، بدلاً من تقديم رسائل واضحة، يفتح باب المشاركة في قراءة الأعمال الفنية، ويدفع المشاهد إلى التفاعل مع تناقضاتها. هذا الغموض هو سمة مميّزة للفن ما بعد الحداثي، بل وربما ما بعد الإنساني، حيث يتم تجاوز مركزية الإنسان لصالح رؤية أوسع للأنظمة التي تحكمه.
استنتاجات مفتوحة: هل نحن أحرار أم محكومون بقوانين خفيّة؟
من خلال دراستها في الاقتصاد، نجحت كريستين كتّاني في ترجمة أفكارها بصرياً، عبر معرضها الذي يبدو وكأنه وسيلة للسيطرة على هواجسها الداخلية، والتحرّر من القيود التي تشعر بها. في نهاية المطاف، تترك الفنانة المشاهد أمام أسئلة مفتوحة:
- هل الحركة تعني الحرية، أم أنها خاضعة لقوة خارجية؟
- إذا كانت اليد مجبرة على تحريك العجلة لعمل الرسوم المتحركة، فهل الجسد البشري في هذا النظام الاقتصادي مجرد أداة أخرى؟
- هل تفكيك الفنانة للمعنى التقليدي للمال والقيمة هو شكل من أشكال المقاومة، أم مجرد توثيق لحالة الانحلال المالي والسياسي؟
يبقى المعرض مفتوحاً على احتمالات متعددة، حيث لا تقدّم كريستين كتّاني إجابات نهائية، بل تفتح أبواب التساؤل، وتجعلنا نعيد النظر في ما كنا نظنه يقيناً، تماماً كما قيمة المال غير الثابتة، والتي تتحدد وفق الأنظمة التي تحكمها.