بيروت - لبنان

اخر الأخبار

31 كانون الثاني 2025 12:00ص كوميدي مونبلييه

حجم الخط
أجمل ما في مونبلييه من جمال، هو ساحة كوميدي. تنبسط بين مربعات من العمائر، المبنية على الطراز الهوسماني، نسبة إلى المهندس جورج أوجين هوسمان (١٨٠٩- ١٨٩١)، في القرنين: الثامن عشر والتاسع عشر. وبجانبها سكة الترام. وتحتها الأنفاق المستحدثة، لتسهيل التواصل بين جهاتها الأربع، بالسيارة أو مشيا على الأقدام، أو بواسطة الدراجة الهوائية، أو أية آلة لتسهيل التنقلات.
كل الأسواق التاريخية، لجهة قصر العدل أو لجهة المدينة القديمة، أو لجهة القلعة، أو لجهة الأسوار التي كانت تتحوطها، أو لجهة الـ«كوروم»، أو لجهة أسواق بوليغون وأنتيغون وبلاس دي أوروب، فهي تصب جميعها في ساحة كوميدي، حتى لتراها تتراقص بالناس، وبالحشود في الأعياد، أو بقوافل الزائرين العابرين، أو بصغار جنائن الأطفال و الروضات والمدارس والجامعات.
ترى الزائرين جميعا يطلبونها في الليل وفي النهار. تستقبلهم الشمس من الشروق إلى الغروب، فلا شيء يحجبها، سوى مظلات المقاهي المنتشرة حولها على التروتوار. وأما في الليل، فهي العروس المضاءة حتى الصباح، متخذة أجمل زيناتها خصوصا في موسم الأعياد تتلألأ فيها المصابيح المزدانة بأنابيب الضوء، وبالمزهريات وبالشمعدانات، وترى الترام يصب فيها الزوار من جميع الأعمار، على مدار الساعة، في مواعيد دقيقة على الدقيقة والثانية.
أهم ما يطلّ على كوميدي: مبنى الأوبرا المشهور في ساحة في مونبلييه، وهو مبنى تاريخي فيها، جميل للغاية، يفتح أبوابه للزائرين، بناء للدعوات وللمناسبات وللشخصيات والوفود الزائرة. وفي الطرف الجنوبي، هناك المبنى الإداري للسياح، ومبنى الحراس الذين يشرفون على الأمن والسلامة العامة في جميع الأوقات، وأمامه الحديقة التاريخية تحرسها وتزيّنها أشجار الدلب العالية، وهي همزة الوصل بين كوميدي وكوروم، حيث المبنى المستحدث، وفيه جميع الدوائر ومراكز الخدمات التي تهمّ الناس.
لا تبعد كثيرا عن كوميدي، أسواق بوليغون الحديثة، فهي متصلة بها، وترى الناس أفواجا أفواجا إليها. ففي أي وقت تعبر بها، تجدها محتشدة بالرواد من كل الأجناس، ومن كل الأعمار.
ترى الساحة عامرة بالمقاهي حولها، وهي جميعها، تاريخية، من أول ظهورها في المحلة، التي كانت الطريق تخترقها، إلى محطة القطار التاريخية، لجهة الغرب والجنوب الغربي. وأهم شارع يتدفق عليها بالناس، هو الشارع المتصل بقصر العدل وبـ «بيرو»، حيث القصر المائي التاريخي الذي يروي المدينة القديمة، بخزاناته وببركه، وبقناطره التاريخية، يحرسه الملك لويس الرابع عشر على صهوة جواده، في تمثال جميل للغاية. فهذه الدرب التي تصل بين كوميدي وقصر العدل، وجميع المتفرعات عنها، لا تهدأ بأقدام الزائرين والعابرين، ولا بأقدام رواد المقاهي والمخازن والمطاعم والمتاجر، خصوصا ما ينتهي منها إلى محلة الأوبسرفوار.
أرض ساحة الـ «كوميدي»، مرصوفة بالبلاط الأبيض العريق، وهو في غاية الجمال. وأما جميع المقاهي المنتشرة على جوانبها، فهي من طراز واحد، مما يجعلها مزدانة بحلّة واحدة، فالمظلات من طراز واحد، والطاولات من طراز واحد، والكرسي المقششة من طراز واحد.. وهذا ما يضفي على الساحة مسحة من الجمال الموحّد الآخاذ.
ترى الرواد يتسابقون إلى الطاولات لحجزها والجلوس إليها، فرادى وثنائيات وعائلات عائلات، وخصوصا منهم الذين يأتون إلى مونبلييه، لأسبوع أو أسبوعين، طلبا للدفء في الجنوب الفرنسي، في عز الشتاء، يملأهم الحبور، وتملأهم الدهشة، وتراهم يتعارفون إلى بعضهم بعضا، وكأنهم من أسرة واحدة.
ما يلفت في كوميدي، أن اللبنانيين المقيمين في مونبلييه، إعتادوا زوايا مخصوصة في مقاهيها، فتراهم لا يبارحونها. فهذه الزاوية من المقهى، يرتادها بعض الأطباء العاملين أو المتقاعدين. وتلك الزاوية في المقهى المقابل، يعتادها أساتذة الجامعات.. وتراهم من شتى أنحاء لبنان، من شتى طوائف لبنان، لم يبطلوا عادتهم في الإعتراك أثناء المناقشات، ولا أثناء الطروحات.
وترى إلى الطاولات الأخرى، المجموعات المثقفة من السوريين والأردنيين والمغاربة والمصريين. وربما إنضموا إلى بعضهم، وكأنهم في هجرة واحدة، أو في مهجر واحد، أو حتى في محجر واحد. فقد جمعهم همّ الشرق، إلى دنيا الغرب، على غير رأي، وعلى غير هدف، وعلى غير طريق، وسدّ ورائهم الطريق، بالسلاح الميليشياوي، والسلاح المتفلّت.
مونبلييه، مدينة شبيهة بطرابلس - لبنان، لو احتفظت مدينتي، بتاريخها وبعمائرها وبأسواقها التاريخية في وسطها التاريخي القديم، خصوصا في الأحياء القديمة تحت القلعة، وفي أحيائها العثمانية التي تعود للحقبة نفسها. ولا بأس من الدعوة لتوأمة مونبلييه مع طرابلس، لأن المدينتين، من طراز واحد، ومن تاريخ واحد، ومن مكونات واحدة. فكما مونبلييه هي مدينة الأكاديميات والجامعات، فإن طرابلس، مدينة العلم والعلماء، لولا العبث بعمائرها بعد طوفان نهر أبو علي في ١٧ أيلول العام ١٩٥٦، فالأسواق جامعة، والعمائر جامعة، حتى النواحي الاقتصادية والبيئية والإجتماعية، والمشارب النفسية...
هل نتحدث عن السواقي والحفافي والمنحدرات والمنبسطات، التي تجمع بين المدينتين؟ هل نتحدث عن مونبلييه أمّ الفقير، كما طرابلس المحروسة؟ هل نتحدث عن ساحة التل وعمائرها، كما نراها في كوميدي نفسها؟!
نهر الليز المنحدر من المياه الطويلة، هو شبيه للغاية بنهر أبو علي، المنحدر من تحت تلال وجبال بشري وإهدن، حيث وادي قنوبين وقاديشا، وجنائن الليمون وكروم الزيتون، على الجانبين.
كلما زرت كوميدي، في سويعات النهار، وفي آناء المساء وأوساط الليل، أشعر أنني في كوميدي، إلى ساحة التل وحديقة القصر البلدي، والأسواق التي تصب إليها، من النجمة وزقاق البلاط والكورة والزاهرية، وشارع الكنائس، ومحلة الراهبات والفرير والكلية الإسلامية والسرايا العتيقة وسوق البازركان، وسوق الجوهرجية، لتصب جميعها في شارع المئتين وفي شارع عزمي باشا، وفي طريق الميناء حيث كانا نصل إليها بالعربات أو بالترامات.
ساحة كوميدي في مونبلييه، هي ساحة التل الطرابلسية، حيث مجتمع الأهل في تلكما المدينتين التوأمين، وكأن الزمن واحد فيهما، بعد حضوري وتبيؤي في مقاهيها، فكأنني ما افترقت عن مدينتي طرابلس، ولا هي افترقت عليّ في مونبلييه...
كوميدي قطعة من الجمال، على أيدي صنّاعها وصانعيها. وكأن لها من يد العناية، ما يجعلها تزداد جمالا يوما بعد يوم، خصوصا في فترة الميلاد ورأس السنة الميلادية. نقضي على طاويلات التروتوار أجمل سويعات النهار... وأجمل سويعات المساء، تماما كما كنا في تروتوار المقاهي الطرابلسية في ساحة التل: مقهى فهيم التاريخي ومقهى التل العليا، و مقهى الأندلس ومقهى النيغرسكو ومقهى التوب، ودور السينما حولنا وكذا المنشية.

أستاذ في الجامعة اللبنانية