بيروت - لبنان

اخر الأخبار

4 أيلول 2025 12:00ص لغة بصرية نقدية تنطبق ببلاغة الخزف عن مفارقات الإنسان في أعمال الفنان ناصر الحلبي

حجم الخط
يُعَدُّ النحت التعبيري في أعمال الفنان ناصر الحلبي اتجاهاً فنياً يقوم على تضخيم الملامح الإنسانية وإبراز الصفات الجوهرية للشخصيات بهدف كشف أبعادها الداخلية أو الاجتماعية. وإذا كان التعبير في الفنون التشكيلية يظهر عادة عبر الرسم أو التلوين، فإن نقله إلى الخزف  عند الحلبي يمنحه قيمة إضافية؛ إذ يخرج من سطح الورق إلى الفضاء المجسَّم، ويصير العمل أكثر قرباً من «الأيقونة الملموسة» القادرة على الاستمرار ومقاومة الزمن. فاختياره لمادة الخزف خامةً للعمل لا يُعتبر مجرد اختيار تقني، بل خطاب جمالي وفكري. فالخزف ارتبط تاريخياً بالقداسة والزينة المنزلية، لكنه هنا يتحوّل إلى أداة نقدية تُجسّد شخصيات عامة بملامح مُبالغ فيها. هذا التناقض بين المادة «الرفيعة» والمضمون «التعبيري الساخن» يولّد طاقة جمالية مضاعفة: فالخزف يخلّد ما هو ساخر أو مُفارق، كما لو أن الفنان أراد أن يمنح السخرية نفسها مكانة الخلود. قد نرى في أعماله ملامح متجهمة وتجاعيد غائرة، مع يد تحمل مطرقة صغيرة، ما يشي بالسلطة أو بالقرار الحاسم، لكن المبالغة في التعبير تجعل الشخصية أقرب إلى القلق منها إلى الوقار. وقد نلمس بصرياً ابتسامة واسعة ويد مرفوعة في حركة استعراضية، تُوحي بشخصية تستعرض شعبيتها أو تُلقي خطاباً شعبوياً. هنا المبالغة التعبيرية تُحوّل البهجة الظاهرة إلى علامة على السطحية. وربما شخصية بنظارات بارزة، يد على الذقن، تجسّد مظهر «المفكر»، لكن تضخيم الملامح يُظهر افتعالاً أو تصنّعاً في الحكمة. فما هو البُعد السوسيولوجي في أعماله؟
النحت التعبيري بالخزف عند الفنان ناصر الحلبي لا يتوقف عند الجانب التشكيلي، بل يطرح أسئلة عن علاقة الفن بالسلطة. فهو يُزيح الهالة الرسمية عن الشخصيات العامة، ويحوّلهم إلى كائنات بشرية قابلة للضحك والمساءلة وربما لإظهارها كما ينبغي أن تظهر في لحظات عفوية عند ضحكة أو موقف ساخر وبالعكس. هكذا يجمع العمل بين التوثيق (إذ يحفظ ملامحهم في مادة خزفية) والتفكيك (إذ يكشف تناقضاتهم عبر المبالغة التعبيرية). فما هي القيمة الجمالية والفكرية؟
الجمع بين تقنية الخزف الدقيقة واللغة التعبيرية الساخرة يجعل هذه الأعمال نموذجاً على فن معاصر يمزج بين الحِرَفية التقليدية والرسالة النقدية. فبدلاً من أن يُقدَّم الخزف كقطعة زينة أو وعاء وظيفي، يتحوّل إلى منصة نقدية تتأمّل الإنسان وممارساته في مواقع السلطة والمجتمع. فالنحت التعبيري بالخزف يقدّم رؤية فنية مزدوجة فهو من جهةٍ يوثّق الملامح، ومن جهة أخرى يعرّي التناقضات عبر المبالغة. وبذلك يصبح الخزف - هذه المادة القديمة الصلبة - وسيلة معاصرة للضحك، للتساؤل، ولإعادة النظر في رموز القوة الاجتماعية والسياسية. فأعماله بمجملها ليست مجرد زخرفة، بل وثائق بصرية نقدية تنحت ملامح عصرها بجرأة وجمالية.
النحت الواقعي يسعى إلى استنساخ الملامح بدقة، ليُقدّم صورة أقرب إلى «الوثيقة البصرية» التي تحافظ على تفاصيل الشخصية كما هي، وغالباً ما يُستخدم لتخليد الرموز أو الشخصيات التاريخية بصورة وقورة.  أما النحت التعبيري بالخزف، فيبتعد عن التوثيق الحرفي لصالح إبراز الجوهر أو البعد النفسي والاجتماعي للشخصية. فالمبالغة في الملامح في أعمال ناصر الحلبي  ليست عبثية، بل أداة جمالية ونقدية تكشف خبايا الشخصية، وتفضح التناقض بين الصورة الرسمية والداخل الإنساني. فاختيار الفنان ناصر الحلبي للخزف التعبيري ليس مجرد قرار أسلوبي، بل موقف فكري فهو يرفض التمجيد الأحادي الذي تفرضه الواقعية، ويقدّم بديلاً نقدياً يخلّد الشخصيات لا كأيقونات مثالية، بل كذوات بشرية مليئة بالمفارقات التي يمكن أن يراها المتلقي بشكل أفضل ويستكشف الرسالة المضمونية والمعرفية والجمالية التي يريدها ناصر الحلبي أن تصل للجمهور. ربما في منحاه الكاريكاتوري بالخزف يقوم فعل مقاومة ناعمة، يواجه السلطة بالضحك، ويستبدل التمجيد بالتعرّي، ويُخلّد السخرية في مادة لا تبلى. فهي ليست مجرد زخارف، بل لغة بصرية نقدية تنطق ببلاغة الخزف عن مفارقات الإنسان في السلطة والمجتمع وغير ذلك.