توخّى أدباء المهجر أن يهزّوا القلوب قبل أن يبهروا العقول. فتناولوا من المواضيع أقربها إلى حياة الإنسان، وكأني بهم قد استشرفوا فلسفة الغرب الوجودية. اختاروا ما يروق للخاصة ثم يصلح للعامة، وزهدوا، كما فعل الوجودي سارتر، في كل مجد وتكريم ما خلا مجد اللغة ومصلحة الأوطان. وكم كان ليحزنهم اليوم أن يروا النهضة الأدبية التي صنعوها، سائرة بعكس طريق التقدّم والكمال في ظل التطور التكنولوجي والقلق الوجودي المهيمن على العالم.
لِمَ لا تشهد لغتنا نهوضا متجدّدا واتساعا موضوعيا من داخلها؟ أرجّح ان السبب هو ركود العرب وذوبان بعضهم في بيئة سواهم وانتشار القنوات الفضائية المتعثرة والمتداخلة أساسا.
ألقيت دروسا في اللغة العربية بجامعات أوروبية فعربية فأميركية، ولفتني ما يُقال بان لغات كثيرة في العالم سوف تموت خلال القرن الحادي والعشرين، ويومئ بعضهم من بعيد إلى اللغة العربية. يحتجون لذلك بان الالسنيين لا يعتدون إلّا باللغة التي يتكلم بها أهلها. الحال ان العرب لا يزالون يتكلمون العربية منذ العصر الجاهلي مع بعض الاختلاف والتطور الذي لا يبعد بهم عن اللغة العربية. وتعدّد للهجات واختلافها ظاهرة طبيعية في لغات العالم كله. وهي تبلغ في بعضها حد الفوضى التي تجعل الناطقين بلهجة ما يعجزون عن كنه الناطقين بلهجة أخرى في اللغة نفسها، حتى تحوّلت بعض للهجات لغات قائمة في ذاتها! هذا ليس بحادث في اللغة العربية، على الرغم من تعدّد للهجات واختلافها في ديارنا، وهو لا يلغي التواصل أو وحدة اللغة العربية إذ لا يقاس على الجزئي والمحدود، إنما على الكلي والشامل. لغتنا عامل أساسي في ترابطنا رغم كل شيء على مرِّ الحقب. أما الخصوصيات المتألقة في إبداعيتها، فشأنها أن ترفد اللغة الأم بكل جديد معيش، لكننا نرى معظمها يتبدّد ويطويها الفناء البعيد.
لغتنا تستوعب كل الميادين وبها تكتب أعمال إبداعية وإليها تترجم مؤلفات في العلوم كلها. ثمة كتّاب اليوم ذوو أسلوب واضح جليّ سلس بعيد عن التعقيد والتكلّف. وللإنترنت مساهمة كبيرة في تسهيل الكتابة وتخفيف تكلفتها وحتى تصويب بعض الأخطاء اللغوية. أما الدعوات المطالبة بالفنيقة أو الأرمنة أو اللتينة، فهي تنطوي على مآرب التفريق والتضليل!
على وزارات العقل اللبناني الراقدة، أن تركّز على محتويات التعليم وجعلها تنشئة متكاملة، وتشجيع الإنتاج الفكري في ذاته.
السلام لغة الإنسانية الجامعة، وينبغي تعزيز ثقافة الحوار والتسامح في مناهجنا التعليمية، من أجل إرساء قواعده المكينة.
لا سلام بلا حوار، ولا حوار بلا لغة، ولا لغة لأمّة متماسكة سوى لغتها القومية!
أستاذ في المدرسة الحربية ومدرسة القوات البحرية خلال ٤٥ عاماً