يهطل النور، وتزدهي الكلمة، وترفرف أرواح شعراء أمتنا صانعي مجد الحرف العربي، عندما يتكرّم الشعراء ويتقدّس الشعر.
ذلكم، ان الشعر عطاء الخالدين للفانين، ومن هنا كان نسبه بالسماء موصولا، فالشعراء يجتازون الأزمنة حتى عند الضوء الأحمر من غير أن يهتموا بقانون السير الهرم، وظواهر الأحداث السوداء، ويخلقون الشموس قبل أن تخلق الشموس، ويستمطرون المستقبل من خلال وعد الفجر بالانبثاق.
الشاعر تنصهر الكلمات حوله كالبرق، وهو ليس في حاجة إلى من يوقّع له شهادة تدريبه، إذ يظل حتى الموت، عاملا متمرّنا ومحلّقا مبدعا، ونحّاتا ماهرا لدى سيدته الحياة.
قد يكمن ألق الشاعر العظيم، إذا لم يجد في حياته القلب والأذن واليد، فحتى العلو يبحث عن مكان يسند إليه راحته.
الشاعر الحقيقي، شاعر أصيل مبدع، يجدل النجوم، ويستنزل الغيث لتسبح فيه، تمجيدا لإنسان هذه الأرض الذي يرفض بكل عنفوان الدم الوطني، أن يعتقل الظلاميون الشمس في زنزانة. ذلك ان دموع القمح ترعد خصبا في الأذن الوطنية فيكون الدم جسر الكلمة، وتكون الكلمة شريان دم عزيز مقدّس.
الشعر تقديس للحياة والأحياء وتمجيد للبطولات والتضحيات، فكلماته تثقب الأرض في نداوة الصباح. انه ثمار طالعة في الشمس الغالية من خصوبة الأرض ورعاية الإنسان.
الشاعر حلم، وهتاف الشاعر: هذا وطني الذي يمكنني فيه أن أحلم من غير أن أسقط. ويبشّرنا بدخول المستقبل الزاهر في حاضرنا المصطرع من غير أن نلحظ.
يسكن الإله قلب الشاعر، فيكون العاشق الذي شرب غيم الليالي، وقنص خيول الزغاريد الشاردة، وأيقظ الأفق النائم على خاصرة الأرض، وما رأيته كل حياتي إلّا فيّاضا بالأمل الوضّاء والفرحة الغامرة والبسمة الرقيقة الصادقة.
هل يأتي الزمن المتألّق، زمن قائد، يحطّم غباء العقوق، ويمضي يكرّم المبدعين الأحياء ويمنحهم أوسمة التقدير، فيزهر كل الألماس المضيء على جيل هذ الوطن العظيم، فيلملم كلام الليل، ويغلق دروب الحزن؟
أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه