هذه القدامة في التاريخ، وهذا الجمال في الطبيعة، وهذا الموقع من المعمورة، وهذا البحر، وهذا البقاع، وهذان الجبلان، الشرقي والغربي، كل ذلك، لمما منح لبنان بعض السمات الفريدة وبعض المسوح التي قلّما توافرت لغيره من البلدان، على مدى ما مضى من عقود ودهور.
على طول هذا الساحل اللازوردي، ترى الجبال سجلات سجلات، دوّنت عليها الحصون والقلاع، والقرى المعلقة، والمدن المنسابة مع الأمواج والأنهار، والأمجاد الخالدات. فمع كل رسم من تلك الرسوم، لوّحت لك الأيدي التي سطّرت ودبّجت وأفردت ودبرت الحكايات الحكايات.
أمس كان دور راشيا الوادي، إنجلى المتحف الزائد عن القصص والروايات، أكد المؤكد: أن الجبل هو الأصل، أن الجبل هو أصل لبنان، وأن هذه القامات وهذه المقامات، وهذة الفصول في الحرية والإستقلال، إنما هي نسمة من نسائم هذا الجبل.
يفتح متحف راشيا الوادي، على الذكريات، بل يفتتح أبوابه والذكريات، لا يضيع منها حرفا، ولا يتزيد عليها حرفا. هنا كان الرجال يحبسون أنفاسهم، لأجل وطن، خافوا عليه أن يضيع بين ركام الأوطان.
متحف راشيا يخلّد برهة الإستقلال. هذه البرهة السياسية التي أسّست للبنان، وإزاحة الستارة عنه في هذا الوقت الصعب، وفي هذه اللحظة العصيبة من العمر، إنما تشير إلى ضرورة توحيد الموقف حول لبنان، تمنع عنه الغلو والغلواء والمغالاة، فهو بلد يتطلّع إلى الراحة من الرياح، فقد شبع من هبوبها عليه، وآن له أن يستريح.
متحف راشيا اليوم، في هذا الزمن العاصف، بالسياسات الخرقاء، وبالأنظمة المعتوهة، وبالرجال المشوّهين، يقول كلمته المسجلة على صفحات القلوب: نشيدا وطنيا واحدا، وموقفا وطنيا واحدا، وحرية، تملأ السماء، وأجنحة حمام تبشّر بالسلام، بدل المسيّرات التي تحمل الموت والحروب.
قلعة راشيا الوادي، بمتحفها الذي أتحفت به أخيرا، إنما هي صوت جميع اللبنانيين الأحرار، الذين ينادون على وحدة الصف، لأجل قيامة الوطن المسجّى، من بين الركام، تنادي عليه أن ينهض ويستنهض الأحرار، لرفع الصوت من جديد، فقد ذاق الأمرّين طيلة الحروب الماضية التي شنّت فيه وعليه، وآن له اليوم أن يضمد الجراح، آن له أن يتقدم بين سائر الأوطان، فقد كان الأصل، وغيره الفروع.
متحف راشيا اليوم، من مسوح لبنان، هو دعوة مفتوحة لكل هذه «الأمم اللبنانية»، أن تعي خطورة المرحلة، وأن تتقي ربها فيما تنادي وتقول... فاللبنانيون أحوج ما يكونون اليوم إلى «كلمة سواء»، تقيهم الشرور التي تحدّق بهم من جميع الجهات. فكفاهم إستعارة للحروب، وكفاهم منادة عليها في سوق المزادات. فأطفالنا إشتاقوا للعودة إلى مدارسهم، والأمهات شبعن من الثكل ومن غسل الدموع، وأما شبابنا، فقد ملّوا الغربة والهجرة في جميع الجهات.
وطن مثل لبنان، إنما يحتاج إلى متحف راشيا، الذي فتح أبوابه ليقول كلمته: عودوا إلى صوابكم، وإبنوا وطنكم، وإهتموا بأجيالكم، وداروا سفهائكم، وإمضوا على طريق العمران والحياة، فالعمر قصير، والعمل كثير، وأنتم.. أنتم.. الرواد والأحرار، والجيل الذي ذاق المرّ حتى حلت المرارة في فمه. فما أحوج لبنان، إلى جعل متحف راشيا، بين مسوح لبنان، في مثل هذه الأوقات!
* أستاذ في الجامعة اللبنانية