لكل أمة تاريخ لمراحل حياتها وتجاربها وما مرّت به من عسر ويسر وشقاء ورخاء. ويلاحظ المؤرخون الثقات أن طبائع الناس لا تتغيّر رغم تغيّر العصور وتبدّل الأحوال وتبدّل المدنيات.
فطر الإنسان على الخير والشر معاً، وعاش في عالم تمازجه ألوان الرحمة والقسوة، وتتنازعه عوامل متغايرة، لا سبيل إلى محو المضر منها، وصيانة العامل المفيد، كأن في ملاشاة الأذى إساءة إلى الطبيعة، أو إهانة إلى دستور البقاء. فمنذ أمد بعيد، وحلقات المآسي والأرزاء تتعانق وتتلاحم، وسلسلة الجور والإرهاق تزداد طولا وثقلا، من غير أن تتمكن قوى العلم من تقطيع أوصالها وإنقاذ العالم المقيّد بها.
هذه الحلقات تشتدّ ثخانتها وصلابتها بتقدّم الزمن وانتشار التقنيات المستجدة ومنها تقنيات «التواصل»!
هذا التقهقر الأخلاقي المعيب، وإن متخفيا، يتفاقم بتزايد حاجات الناس في بلاد الناس، واستنباطهم وسائل تمكّنهم من تلبيتها، والحاجة (ليس على الدوام) أمّ الاختراع، ولست أقول حتما «الإبداع»!
ان طبيعة الخبث الكامنة في أعماق النفس البشرية، تستيقظ في كل أزمة، فتجعل الخير شرا، وتقلب النافع مضرّا، وتتفنن في إنتاج آلات جهنمية، تقضي في بضعة أيام، على ما شيّدته المدنية في بضعة عصور. والثابت ان أوفر الشعوب مالا وجاهاً وسلطة، أكثرها تكالبا على المادة، وتفننا في إهراق الدماء. القوي المستكبر هو المعتدي دائما. والضعيف المستكين هو الضحية البريئة، في كل زمان ومكان.
ولا يغرّنك ما يتشدّق به الأقوياء المسيطرون، من خطب منمّقة وعبارات محشوة بمترادفات العدالة والنزاهة والمساواة وحماية حقوق الإنسان ورعايتها. فالعدالة لفظة يكررها الغزاة، ليفتحوا بوساطتها قلوب أناس فتحوا بلادهم أحيانا بحدّ السيف ونار الآلات المدمّرة. والنزاهة كلمة يردّدها المختلسون المغتصبون، ليحيكوا منها سترا يخفي نيّاتهم السيئة، ومقاصدهم الدنيئة السافلة. والمساواة نغمة محببة، يترنّم بها الجائرون المستبدّون، كلما حاولوا تقسيم قطر، وكلما اعتزموا التفريق بين عناصر الأمة الواحدة. وحماية الحقوق ورعايتها جملة جميلة الوقع عذبة الجرس، أتقن المستعمرون والمرتزقة والمتآمرون المحليون، صوغها في قوالب المكر والتمويه.
الغريب المدهش، ان بعض مدّعي العلم وتحمّل المسؤولية عندنا، يجهلون أو يتجاهلون هذه الأمور البديهية، ولا يلجأ إنسان فرد منهم، إلى توعية أجيالنا الصاعدة(؟!) على ضرورة التمييز بين ظواهر الأمور وبواطنها، عبر ثورة ثقافية - تربوية - شبابية كثيرا ما دعوت إليها إنما عبثا. فشعوبنا المتعايشة إلى حد ما، طيبة النيّة عموما سليمة الطوية، كالطفل الساذج الطاهر، ينسى العنف والشدّة، ويصدّق الكذب المكرر، ثم يكذب بدوره. يخدع بالباطل المزخرف، ويؤمن بخرافات السياسة، ويؤخذ بمراوغة السياسيين وأحابيلهم... فمتى ترانا نتعلّم؟
أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه