بيروت - لبنان

اخر الأخبار

11 أيلول 2025 12:00ص مروان نصار لـ«اللواء»: «الفن الفلسطيني نجح في خلق حالة متجدّدة تُبثّ فيها روح الانتماء للمكان»

حجم الخط
في قلب المعاناة التي تذوب في تفاصيل الحياة اليومية في غزة، ومن بين أنقاض الحروب المتتالية، ينبثق الفن الفلسطيني كصوتٍ غير مسموع، لكنه يحمل في طياته أصداء الأرض وذاكرة الشعب. هو ليس مجرد خطوط وألوان تملأ الفراغات، بل هو مرآة لوجوه الناس التي تحمل قصصاً من صمودٍ وصراع، يترجم الأحاسيس والمشاعر التي تجسّد معركة الإنسان الفلسطيني مع الزمن والمكان. إن الفن الفلسطيني في جوهره لا يتوقف عند الحدود السياسية أو الاجتماعية، بل ينسج خيوطاً من الأمل والعذاب، مستمدّاً من ذاكرة لا تعرف الزوال، رغم مرور عقود من النكبة والشتات.
الفن بالنسبة للفلسطينيين ليس رفاهية؛ إنه ضرورة وجودية، أداة للتمسّك بالهوية، ولحظات تاريخية تحاول ألّا تُنسى في خضم التقلّبات السياسية والاستراتيجية العالمية. في غزة، حيث يشهد الفن حرباً أخرى غير الحرب العسكرية، تتحوّل اللوحة إلى سجلّ حيّ للدمار والمقاومة، وتنقش التفاصيل الصغيرة للعنف اليومي بألوانٍ لا تُشبه ألوان الحروب التقليدية. إنها ألوان المعاناة، ولكنها أيضاً ألوان الحلم بالعودة، بالحرية، وبالعدالة التي تتجاوز حدود المكان. إذاً، يصبح السؤال الذي يطرحه كل فنان فلسطيني: هل يمكن للفن أن يكون أداة للتغيير، أم أنه مجرد توثيق لواقعٍ أليم؟ ولكن الإجابة ليست سهلة، فالواقع الفلسطيني معقّد، ومتشابك، ويتطلب من الفنان أن يتجاوز مجرد نقل الصورة الظاهرة، ليغرق في الأعماق، حيث تنبعث الحكايات من بين الأنقاض، وتتفجر المشاعر من داخل الأوجاع. مع الفنان التشكيلي الفلسطيني مروان نصار أُجري هذا الحوار:
{ كيف أثّرت نشأتك في قرية بربرة المهجّرة، وواقع الحياة في غزة، في وعيك الفني المبكر؟
- طبعاً، قريتي بربرة هي سكنت في وجداني من خلال الصور والحكايات. إن السردية البصرية والرواية الفلسطينية نجحت في حفظ نفسها من الزوال، رغم مرور ٧٧ عاماً على النكبة. أجيال متعاقبة حملت راية الأمل في العودة إلى فلسطين. إن الفعل الفني والثقافي الذي أتبنّاه أشعر أنه يُقرّبني من أمل العودة. حالة التجذّر ليست في فكرة البقاء في الأرض فقط، بل في الوجدان؛ الوعي شيء مهم في تشكيل الحالة الفلسطينية.
{ أعمالك تتميّز بروح نضالية وإنسانية واضحة، كيف تختار المواضيع التي تعالجها في لوحاتك؟
- طبعاً، أعمالي أخذت منعطفات متأرجحة وحالة من عدم اليقين في بعض المحطات، نتيجة الحالة السياسية المتباينة. إن الفن الفلسطيني له خصوصية تميّزه بالصدق، وخاصة في طبيعة الموضوعات التي تسكن مضامين التجارب التشكيلية بشكل عام. أما تجربتي الشخصية في الفن، فقد شعرت أن فترة الرسم في وسط هذه الإبادة لها خصوصية تختلف عن باقي تجاربي، سواء على صعيد اختيار اللون أو الانفعال مع الموضوعات اليومية، والتي غلب عليها في بدايات الحرب الطابع التسجيلي للأحداث التي تدور حولي.
ومع مرور عمر الحرب، التي تجاوزت السنتين، وتخللتها «هندسة الموت» وسط دمار وحالة ضياع في فهم هذا السياق من الإبادة، أخذت تجربتي تتأرجح بين التعبير والانفعال تارة، والتسجيلي تارة أخرى. رغم بساطة الخامات، وشُحّ الإمكانيات، وعدم توفّر المناخ المناسب للرسم، إلّا أنني وسط هذا الخوف والدمار شعرت بالمسؤولية تجاه المجتمع الذي أعيش فيه، في محاولة لرصد الحالة، لأنها - باعتقادي - ستكون الأصدق في نقل المشاعر وتوثيق الحدث بدون زيف أو تنميق.
{ ما الذي تحاول أن تقوله من خلال توثيق الحياة اليومية في غزة أثناء الحرب؟
- الذي أحاول قوله هو نقل ورصد حالة الهم المثقَل في ملامح الناس من حولي وما يحيطون بي. أنقل تطلّعاتهم وآمالهم، أتنقّل في كثير من الأحيان بين الخيام، أتجول في السوق، في محاولة للإمساك بالحالة الإنسانية التي تسكن ملامح المارّة، والأشخاص الذين يصطفون في الطوابير للحصول على حاجياتهم بشقّ الأنفس. أُسجّل كل حركة، كل همسة، أتابع شفاه المارة في محاولة لاقتناص بعض الكلمات المرتجفة بسبب الجوع والعطش. وهذا ما وثّقته في مجموعة بورتريهات أخذت معالجات بصرية مختلفة، كل واحدة عن الأخرى. أركّز على تفاصيل الوجه، أرسم بضرباتٍ محاولاً التمرّد على السائد في التلوين، والسائد في النسق. حالة عبثية انعكست بطريقة تعبيرية فيها الكثير من الضجر والتعب. كانت هذه المجموعة تحت ثيمة: «ليست وجوه، بل مشاعر».
{ هل ترى أن الفن الفلسطيني اليوم يتجه نحو خطاب بصري جديد؟ أم أنه ما زال أسيراً للموضوع السياسي الوطني؟
- لا بد من فهم حاجتنا للفن، وهناك سؤال كنت أسأله لنفسي دائماً: لماذا نرسم في الحرب؟ إن الفن يُعدّ من الضرورات داخل المجتمعات، وخاصة المجتمعات القديمة الأولى، ومروراً ببناء الحضارات المعاصرة، حيث استندت الكثير من سياساتها على الاهتمام بالفنون. إن الفن كممارسة، عبارة عن لغة إنسانية مشتركة بين الشعوب قاطبة، ولكن مع تطوّر الحياة المدنية، أصبحت هناك تطلّعات أخرى لبناء مراكز جديدة لقوة الدول، وهو التطوّر التكنولوجي، الذي أثّر - بكل أو بآخر - على مفهوم الفن: هل هو رفاهية أم حاجة إنسانية مُلحّة؟
إن الفن في فلسطين، بغضّ النظر عن السياقات التي تحدثنا بها، هو فن جذوره ممتدة عبر التاريخ، ولكن الخلخلة السياسية التي حصلت بعد النكبة جعلت من الفن وسيلة للمواجهة الثورية، في محاولة للحفاظ على الهوية. رغم الحالة المتباينة سياسياً، إلّا أن الفن الفلسطيني نجح في خلق حالة متجددة تُبثّ فيها روح الانتماء للمكان، بالإضافة إلى الفهم المنفتح على التجارب المعاصرة، في ضوء ربط الأعمال الفنية بسياقات عالمية، وكلغة بصرية تتخطى حدود المكان، والعمل على ربط الفن كمسار فني، وجعله وسيلة للمعرفة والخدمة المجتمعية.