يمكن اعتبار معرض الفنان آنشار بصبوص، «شظايا القمر الأسود»، في غاليري صالح بركات، اكتشافاً للتداخل بين العالم المادي والذاكرة والدمار. يدعو المعرض المشاهد إلى مواجهة مع الأنقاض، بوصفها نقطة التقاء بين المادة المحسوسة والوجود المجرّد، حيث تصبح الخرسانة والحجر واللون الأسود وسائطَ للتأمّل في الأثر العاطفي والوجودي للحرب والصدمات، وما تخلّفه من تفكك في العالم المادي والذات.
تجلّى الخطاب البصري للمعرض في قدرته على تحويل الخراب إلى تجربة حسّية بصرية تُدخِل المشاهد في عالم مشحون بالتوتر، يتأرجح بين الاستقرار والانهيار. من خلال انخراطه العميق وانشغاله باكتشاف العواقب المادية والنفسية لعملية الدمار والتدمير، يمزج الفنان بين العالم المادي والعالم الظاهري، في تجسيدٍ للازدواجية بين الحضور والغياب، وبين التماسك والانهيار. هذه المشاهد كلها تعكس سبب اختياره للمواد الخام وتوظيفها كأدوات تواصل بصرية تُجسّد ثقل الدمار وامتداداته الرمزية.
العالم المادي وتجسيد الدمار
التجول في أرجاء المعرض يُشبه الدخول إلى بقايا عالم منسي، فضاءٍ يتقاطع فيه الدمار مع الغياب الكوني. يبني الفنان مشهداً غامراً تتداخل فيه الأشكال الهندسية التي تجمع بين التكسّر والتآكل والتقعّر في آنٍ واحد، حيث تحضر الكتل المربعة والمستديرة، وأنصاف الدوائر، والأعمدة الخرسانية، مجسّدةً ثقل التاريخ وآثار الخراب. لا يقتصر المعرض على تصوير الدمار فحسب، بل يُجسّده، مما يتيح للمشاهد التنقّل في فضاء ينهار فيه الزمن والهياكل، ليتحوّل هذا الانهيار إلى شظايا نحتية مفعمة بالحضور.
عادةً ما ترتبط الخرسانة بالديمومة والاستقرار، لكن في هذا السياق تتحوّل إلى رمز للخراب والهشاشة. يعزز استخدام الأشكال الهندسية (الكتل المربعة والمستديرة) التوتر بين النظام والفوضى، حيث تمثل الأولى الصلابة الهيكلية، بينما تجسّد الثانية التفتت والانحلال. تعكس هذه الثنائية العلاقة الجوهرية بين الخلق (العمارة والحضارة) والدمار (الحرب والصدمة)، مما يجسّد التناقضات التي تحكم المصير الإنساني.
يعكس المعرض توتراً بين الاكتمال والتآكل، الحضور والغياب، البنية والخراب. تُضفي التناقضات بين الأشكال الهندسية المختلفة صلابةً معمارية تتكسر وتتآكل مراراً وتكراراً. الكتل المربعة تقف كثوابت تذكّر ببقايا المباني المنهارة، بينما توحي الأحجار المستديرة بملمس عضوي هشٍّ ومتآكل، يكاد يكون كوكبياً. ترمز الدوائر الكاملة إلى الكمال والنظام السماوي، في حين توحي أنصاف الدوائر بالانقطاع والانحلال. يولد هذا التفاعل بين الأشكال إيقاعاً مقلقاً، حيث يتنقل المشاهد بين عالم سليم وآخر محطم، بين الاستقرار والتعليق في الفراغ.
العالم الظاهري والتجربة البصرية
يعتمد الفنان في أعماله على النظرية المادية، التي ترى في الدمار أكثر من مجرد حدث، بل هي تجربة مادية وعاطفية تُخلّد في العالم المادي. هذه المواد، التي أُعيد تشكيلها بفعل اليد البشرية، لم تعد مجرد أشياء جامدة، بل أصبحت محمولات للذاكرة والصدمة. تدعو هذه الأشكال المشاهد إلى التفاعل مع واقع الدمار الحسي، بدلاً من الاكتفاء بفهمه بشكل تجريدي أو رمزي.
تثير الأعمدة الخرسانية، التي تنتصب وسط أطلال بقايا معمارية مجهولة، إحساساً بحضارات ماضية، مهجورة ومتآكلة، لكنها لا تزال تفرض سيطرتها على الفضاء. ليست هذه مجرد آثار، بل أشباح هياكل تُذكّر بالمدن المنهارة وتآكل الزمن المستمر. تتناثر الأشكال الدائرية بينها على الأرض، وكأنها شظايا كواكب هَوتْ إلى الخراب. يخلق التباين بين استقامة الأعمدة وأفقية الكتل شعوراً بفوضى معمارية، ليتحوّل المعرض إلى مشهد ما بعد نهاية العالم.
العالم الظاهري والتجربة البصرية
يعزز تفاعل الخرسانة الخام مع الأسطح السوداء الشعور بالدمار، فالخرسانة الرمادية تحمل ثقلاً مادياً وحشياً، باردة وصلبة، لكنها تحمل ندوباً عميقة. تُصبح عيوبها وملمسها لغة بصرية للصدمة، توحي بالصمود والهشاشة في آنٍ واحد. في المقابل، تمتص الجداريات السوداء الضوء، مخلفةً حضوراً أشبه بالفراغ، وكأنها تستهلك الذاكرة نفسها. الأسود هنا ليس مجرد لون، بل هو محو وصمت ساحق، يبتلع بقايا ما كان قائماً. حين يُدمج الأسود بالخرسانة، تبدو الأخيرة وكأنها محروقة، وكأن التاريخ قد انطبعت آثاره فيها. تعزز الشظايا المتراكمة على الأرض الشعور بآثار المجسمات، كشهود صامتة على الدمار.
الخطاب البصري بين الاستعارة الكونية وتجزئة الذات
يحضر «القمر الأسود» بأشكال الكواكب كاستعارات كونية، توحي بأن الدمار لا يقتصر على العالم الأرضي، بل يمتد كونياً ووجودياً، ويتجاوز ذلك ليشمل فضاء أوسع. يعكس المعرض فكرة تجزئة الذات، كتشظي القمر إلى شظايا، في إشارة إلى تفكك الهوية البشرية والمجتمع والثقافة بفعل قوى الحرب والدمار. يرتقي استخدام الصور الكونية بالحرب من حدث تاريخي محلي إلى تجربة ميتافيزيقية، مما يُضفي على الخطاب البصري للمعرض طابعاً رمزياً يُحاكي الفقدان والتفكك المستمر.
الخلاصة
«لا يُقدّم المعرض الدمار كتجربة سلبية فحسب، بل يحوّله إلى تأمّل بصري في الهشاشة والوجود. «شظايا القمر الأسود» ليس مجرد معرض، بل هو تجربة بصرية وفكرية تتشابك فيها المادة مع الذاكرة، والخراب مع الفضاء، ليضع معرض الفنان آنشار بصبوص المشاهد أمام تساؤل وجودي: ماذا يبقى بعد الدمار؟ وهل يمكن للخراب أن يحمل بُعداً جمالياً وتأملياً؟».
يشير المعرض إلى أن الأطلال ليست مجرد بقايا من الماضي، بل هي مساحات نشطة للذاكرة، حيث يكون الغياب حاضراً بقدر الحضور. تمثل الدوائر الكاملة علاماتٍ لما كان مكتملاً، محاطاً بالدمار، بينما تجسّد أنصاف الدوائر الفقدان وحالة الانتقال، مجمّدة في لحظة من عدم الاكتمال. تثبّت الكتل المربعة الفضاء بثقلها المعماري، في حين تخفف الأحجار المستديرة من وطأة الخراب، مستحضرةً تآكل الزمن البطيء للهياكل البشرية.
في النهاية، إن «شظايا القمر الأسود» ليس مجرد تأمّل في الدمار، بل هو دعوة للوقوف على عتبة الماضي ومستقبلٍ غامض، بين الأرض الصلبة وفراغ الفضاء الشاسع، حيث تتجلى الإزدواحية والتناقضات في آنٍ واحد، وحيث يصبح الخطاب البصري لغةً تُعيد تشكيل الفقدان في فضاءٍ مشحون بالتاريخ والاحتمالات.