بمناسبة تكريمه من قبل حركة الناصريين المستقلين المرابطون، يعود الاسم ليضيء على شخصية شكّلت ذاكرة بيروت السياسية والشعبية في آن واحد: منير الصيّاد (أبو هيثم)، القائد الناصري الذي ارتبط اسمه بعين المريسة، وتحوّل حضوره إلى رمز للالتزام والهوية الناصرية.
بيروت مدينة تحفظ أسماء من عاشوا فيها كما تحفظ الموجة أثر الصخرة. بين أزقتها وبيوتها القرميدية المطلّة على البحر، وبين صخب الصيادين وهدير الموج، تتردد حكايات رجال شكّلوا ذاكرة العاصمة، وتركوا بصماتهم في حياتها اليومية والروح الجماعية لأهلها. من بين هؤلاء، يبرز اسم منير الصيّاد (أبو هيثم)، القائد الناصري الذي ارتبط اسمه بعين المريسة، تماماً كما ارتبطت الناصرية بتاريخ بيروت العروبية، فهي لم تكن مجرد تيار سياسي بالنسبة إليه، بل هوية متجذّرة في كل زاوية من حيّه، وفي كل لحظة من حياته.
• رجل يشبه البحر
منير الصيّاد لم يكن مجرد ناشط سياسي؛ كان رمزاً للصلابة والعناد البيروتي، مع مزيج من الكبرياء والكرامة. أحبّه الناس لأنه يشبههم: صلب وعنيد، لكنه أيضا صاحب قلب مفتوح وواسع لكل أبناء منطقته التي غالباً ما وُصفت بأنها «قرية في مدينة».
منذ شبابه، كان يعرف بحبّه للرياضة والمنافسة الشريفة. نشأ في أجواء صعبة لكنه لم يستسلم، وبرز كأحد أبطال الملاكمة في نادي «النجاح»، ما ساعده على تطوير شخصية قوية وعادلة. بعد تخرّجه من دار المعلمين، أصبح أستاذاً للتربية الرياضية، مشاركاً الشباب طموحاتهم، وهو الذي ربط الناس بالحركة الثقافية والاجتماعية، ليس فقط بالنشاط السياسي.
أحد رفاقه قال عنه: «كان بحّاراً بلا مركب، دائم الترحال بين الناس، يبحث عن معنى أكبر للحياة».
تلك الجملة تكفي لتلخّص رجلاً لم يعرف الانعزال، ولم يختر القطيعة يوماً، بل عاش بين الناس، يشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ويجعل من عين المريسة قلباً نابضاً لكل نشاطه.
• الناصرية.. نهج وإنتماء
تفتّح وعي منير الصيّاد في زمن التحوّلات الكبرى: من الاستقلال، مروراً بهزيمة 1948، وصولاً إلى صعود عبد الناصر ووحدة مصر وسوريا، ثم لحظات الانكسار. وجد في خطاب عبد الناصر القِيَم التي أسّس عليها حياته: الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية.
لكنه لم يتعامل مع الناصرية كشعار سياسي فقط، بل كنهج حياة يومي، يبدأ من الحارة والزقاق، ويتجلّى في كل فعل بسيط: في تعامله مع الجيران، في دعمه للشباب، وفي صموده أمام الصعاب.
ووصفت جريدة «السفير» موقفه السياسي بدقّة: «منير الصيّاد هو جزء من مرحلة المد الناصري في لبنان خلال أوجّها، وتمدّدها، ومن ثم تراجعها».
هذه العبارة تلخّص مسيرته: عاش أوجّ الصعود بكل ألقه، وتمسّك بالمبادئ حتى في زمن الانكسارات، وظل صوتاً صادقاً في الساحة اللبنانية.
• عين المريسة.. البيت والهوية
عين المريسة لم تكن مجرد منطقة بالنسبة إليه، بل بيتاً وهوية. هناك عاش، وهناك عرفه الصغار والكبار، وكان بيته مساحة عامة مفتوحة للتكريم والنقاش والذاكرة.
الحي، بشوارعه وبيوته المطلّة على البحر، شكّل خلفية يومياته السياسية والاجتماعية. وكان صامداً في الحرب، محافظاً على حضور المكان ورمزيته، بما جعل من عين المريسة مركزاً للحياة السياسية الناصرية ومكاناً يجمع بين العائلة والجيران والرفاق.
• الامتحان الأصعب خلال حصار بيروت عام 1982
الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 كان لحظة فاصلة في حياة المدينة وحياة منير الصيّاد. كثيرون غادروا بيروت هرباً من الحرب، لكنه بقي في عين المريسة، صامداً على مبدأ أنه لا يمكن ترك العاصمة لشروط الاحتلال.
في مقالات صحفية، وُصف بأنه: «أحب بيروت فصمد فيها برغم الحرب التي شنّها عليها عدوها الغاشم عام 1982».
كان الصيّاد يؤمن أن الصمود ليس مجرد مقاومة عسكرية، بل موقف حضاري وروحي يضمن استمرارية المدينة وذاكرة أهلها.
• دوره الريادي في توحيد القوى الناصرية
شهدت الساحة الناصرية في لبنان انقسامات داخلية نتيجة مؤامرات سياسية داخلية وخارجية. وكان منير الصيّاد من أبرز القادة الذين عملوا على توحيد القوى الناصرية، معتبراً أن وحدة الصف شرط أساسي لحماية القضية العربية في لبنان.
لم يكن وسيطاً محايداً، بل مناضلاً ملتزماً. في خطبه ولقاءاته، كان يكرر دائماً «وحدة الناصريين ليست ترفاً سياسياً، بل واجب قومي تجاه عبد الناصر وتجاه الناس الذين آمنوا به».
وعمل بلا كلل على وصل الجسور بين الأحزاب والشخصيات الناصرية، سواء عبر اللقاءات المباشرة أو المبادرات التكريمية لعبد الناصر، مؤكداً دائماً أن اختلافات الماضي يجب أن تتحوّل إلى جسور لقاء.
عين المريسة نفسها شهدت كثيراً من هذه اللقاءات، حيث تحوّل بيته إلى فضاء للحوار الناصري – الناصري. وكان دائماً يقول: «لا يجوز أن يبقى اسم عبد الناصر سبباً للخلاف، بل يجب أن يكون جسر اللقاء».
• النصب التذكاري.. الرمزية والاحتفاء
وثّقت صحيفة «السفير» بمناسبة الاحتفال بتدشين النصب التذكاري لجمال عبد الناصر في عين المريسة كاتبة: «إزاحة الستار عن النصب التذكاري في عين المريسة عبد الناصر... وكانت كلمة للمسؤول السياسي للاتحاد الاشتراكي العربي التنظيم الناصري منير الصيّاد...».
وعام 2018، في الذكرى المئوية لميلاد عبد الناصر، تحوّلت عين المريسة إلى ساحة قومية، حيث نقلت جريدة «الأنباء» المشهد: «... بعدها انتقل الجميع إلى النصب التذكاري لعبد الناصر في منطقة عين المريسة ووضع إكليل من الزهر بحضور سفير فلسطين في لبنان أشرف دبور».
منير الصيّاد لم يكن مجرد مشارك، بل كان حاضراً في صلب المبادرات، مؤكداً أن بيروت لا يمكن أن تنسى قائدها القومي. وهكذا تحوّل المكان إلى «المحراب الناصري»، حيث يُستعاد تاريخ عبد الناصر عبر حضوره ومواقفه.
• تكريمه من المرابطون
بمناسبة الذكرى الـ 43 لدحر الغزاة الصهاينة عن سيدة العواصم بيروت، حيث كان منير الصياد في مقدمة القيادات الناصرية والوطنية التي تصدّت للعدو الإسرائيلي، تكرّم حركة الناصريين المستقلين المرابطون الرمز الوطني والناصري أبو هيثم، تقديراً لمسيرته النضالة المشرّفة، ولدوره في الحفاظ على وحدة الناصريين ودوره الاجتماعي والسياسي. وذلك في لفتة سياسية ورمزية تؤكد أن منير الصيّاد جسّد روح الناصرية الشعبية، وأن اسمه أصبح عنواناً للالتزام والوحدة.
منير الصيّاد ليس مجرد قائد عادي، بل رجل مشروع حمل الناصرية كهوية لا شعار، وحافظ عليها بالوحدة، وجعلها جزءاً حيًّا من وجدان بيروت.
رغم مرضه وسنين النضال التي أتعبت جسده وزادت فكره تنوّراً وخبرة، لا يزال أبو هيثم حاضراً بين الناس، في ضمير كل ناصري، في عين المريسة، وفي ذاكرة بيروت التي عرفته قائداً وشاباً وجاراً. كل لقاء معه، وكل حديث، وكل مبادرة يشارك فيها، تذكّر الناس بأن الناصرية ليست مجرد شعار، بل حياة يترجمها اليوم رجل مخلص لقضيته ووطنه.
حضوره حيّ في كل نشاط سياسي، وفي كل لقاء اجتماعي، وفي كل حوار يسعى من خلاله لتوحيد القوى الناصرية والحفاظ على روح المدينة التي أحبها. عين المريسة وبيروت تحملانه اليوم، كما كانت دائماً، رجلاً حيًّا ومؤثراً، مثالاً للالتزام والشجاعة والمبادئ التي لا تتبدد مع الزمن.
أخي الكبير وجار الرضا وإبن المنطقة (عين المريسة) التي تجمعنا على الإنتماء والولاء للناصرية كنهج وكمشروع، بمناسبة تكريمك، أقول لك: سيبقى صوتك ومبادئك ومواقفك تتمدد كأمواج بحر عين المريسة، وستبقى أنت صخرة دهرية من صخورها في ثباتك ورسوخك الناصري المتجذّر في فكرك وعقلك وسلوكك...