بيروت - لبنان

اخر الأخبار

5 كانون الأول 2025 12:00ص من أدب الرحلات ظهيرة مونتريال

حجم الخط
الظهيرة، تنتعل مونتريال شمسها، تحمل قصعتها وتمشي. هذه هي الصورة النمطية لها، في الشوارع، وفي الساحات، وفي المروج، وداخل المولات التجارية.
ينزل الناس من بيوتهم عند الظهيرة، ومعهم القصعات والصحون والجفان، ملأى بالطعام، وفي جعبهم عبوات الماء والشراب الذي يروق لهم. تراهم يتناولون طعامهم وهم مشاة، بلا إحراج. وتراهم كذلك ينتحون إلى الطاولات التي أُعدّت للعموم. يفتحون علب الطعام الذي إبتاعوه من باعة الطعام، وتفوح الروائح المشتهاة.
كيفما جال نظرك، وأينما وقعت عيناك، عند الظهيرة، وأنت تتجول في مونتريال، لا ترى إلّا المهرولين بقصعاتهم. يتمهل أحدهم قليلا، ليأخذ ملعقة من طعام ويضعها في فمه، ثم يكمل وجهته، ويكمل أيضا حديثه، وكأن شيئا لم يكن. وبعد فرصة الظهيرة يعود إلى عمله، يكمل عمله حتى وقت الإنصراف.
الظهيرة في مونتريال، إحتفالية عظيمة، في أي يوم من الأيام، حتى أيام العطل الأسبوعية أو غيرها. جميع الناس يهرولون، وبيدهم ألوان طعامهم الذي إختاروه بأنفسهم. تراهم كبارا وصغارا، وعرائس وعجائز في صيغة واحدة، ظهيرة كل يوم في مونتريال، ينكبون على طعامهم ولا يرفعون رؤوسهم عنه، يحملونه معهم من جهة إلى جهة، يتدفقون من المباني العالية، ومن ناطحات السحاب، حيث مكاتبهم، وحيث أعمالهم، ويصطفون أمام واجهات مطاعم المدينة المتنوعة: الصينية والهندية والإيرانية والإنكليزية والفرنسية، في الشوارع، أو أمام المطاعم والمخابز داخل المتاجر الكبيرة، وداخل المولات، وكذلك في الأمكنة العامة.
الظهيرة في مونتريال، طقس يومي لوجبة الطعام. ترى الناس فرادى ومجموعات مجموعات، وقد إنضموا إلى بعضهم، وتحلّقوا حول الطاولات المستديرة، أو حول الطاولات الممدودة، أو حول الطاولات المربعة. فترى هذه الطاولات وقد إزدانت بجميع ألوان الطعام. ثم تأخذ الأصوات بالتعالي، تماما كما الغزلان والظباء على موارد الماء.
أجمل ما في مونتريال، ظهيرتها التي تمتد حتى الغروب، في المروج وفي الجنائن والحدائق العامة، وحول ضفاف الجداول والأنهار والبحيرات، وربما كانت لهم السهرات الطويلة، حين يتحلقون حول طعام العطل والأعياد، وحول طعام الأفراح، إذ تنبري مواهب الشباب والصبايا للتعبير عن نفسها، على وقع الدفوف، وعلى وقع الآلات الموسيقية المختلفة. فهذا ينفخ في آلة النفخ، وذاك يهتز على إيقاع، تعلو طبقاته وتنخفض، فينهض الشباب، وتنهض العرائس للمشاركة بهمم عالية.
للظهيرة في مونتريال طعم حلو للغاية، لا أحد يتأخّر عن وجبته، وغالبا ما تكون من الخضار والأرز والعدس، وربما من البطاطا المقلية والجبنة، وربما أيضا، من ألوان البيتزا الشهية الرائحة، ناهيك عن أنواع اللحوم المشوية والمطبوخة على حد سواء.
عند الظهيرة نتعرّف إلى الناس من ألوان وجباتهم التي حملوها. وغالبا ما توحّد وجبة «البوتين» بينهم، وهي من البطاطا المقلية والجبنة البيضاء، و«الصوص» الخاص بها. أما البيتزا الإيطالية، فهي سيدة على جميع الطاولات، الفقيرة والغنية، لشدّة جاذبيتها. وربما تمايز بعض الشباب والصبايا، بعلب الثمار الموسمية المقطعة، فيها من قطع البطيخ الأحمر والأصفر، وفيها من قطع الأناناس والفريز وحبات الكرز، وقطع المنشأ. ناهيك عن أطباق «السلاد» الجميلة: من أوراق الخس والزعتر، وقطع الأفوكا، وشرائح الجبنة البيضاء والصفراء، بالإضافة إلى حب الرمان وحبيبات الأرز والعدس والبصل. نعم، كل ذلك وربما أكثر في وجبة واحدة، دون أن ننسى ألوان الحساء من الحبوب والخضار.
مخابز الحلويات والمعجنات في مونتريال، لها قصة أخرى، فترى منها الصفوف المعجبة: قطع الكاتو وكذلك الكرواسون والكيك والخبز الجاهز الفرنسي/ الباغيت على أنواعه، وكذلك الإيطالي المقطع، فهذا من القمح الكندي، وذاك من القمح الروسي، والآخر من الأرز والذرة في الصين، ولكل منها طعم مميّز ورائحة مميّزة. أما الرغيف العربي، أو الرغيف اللبناني، لمما تتشهاه النفوس، من قمح وشعير وذرة كندا.
للظهيرة في مونتريال، ذاكرة الطعام وراحته الذكية أيضا، وكذلك مشهد الناس يهفون إلى ألوانه بأفئدة وأكباد وقلوب حارّة، حتى لكأن الناس في المدينة، من جميع الأعراق والألوان والأجناس، أمة واحدة.
أستاذ في الجامعة اللبنانية