بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 شباط 2026 12:00ص نحن لا نعيش... نحن نؤجّل

حجم الخط
لسنا أحياء كما نظن.
نحن فقط نؤجّل الحياة بحججٍ تبدو معقولة، وبأعذار لا يجرؤ أحد على محاسبتها.
نؤجّل الفرح إلى أن تستقر الأمور، والقرارات إلى أن تتضح الصورة، والأحلام إلى أن يصبح الوقت  «مناسباً».
كأن الحياة مشروع مؤجَّل، وكأننا سنُمنَح إشعاراً رسمياً يقول: الآن يمكنك أن تعيش.
نعيش في حالة استعداد دائم لا يأتي دوره.
نرتّب أنفسنا للغد، ونؤجّل اليوم لأنه «غير مكتمل».
لكن الأيام لا تكتمل، وما لا نعيشه الآن لا ينتظرنا لاحقاً.
أخطر ما في التأجيل أنه متخفٍّ في هيئة الحكمة.
نسمّيه صبراً،
نسمّيه تعقّلاً،
نسمّيه نضجاً.
وفي الحقيقة، هو خوفٌ مهذّب، يخاف أن يُسمّى باسمه، فيتزيّن بالمنطق ويجلس في الصفّ الأوّل.
نؤجّل قول «لا» كي لا نخسر أحداً، فنخسر أنفسنا بهدوء.
نؤجّل الرحيل من أماكن لم تعد تشبهنا، فنشيخ داخلها.
نؤجّل الحب الحقيقي لأننا «غير جاهزين»، ثم نكتشف متأخرين أن الجاهزية كانت اسماً آخر للهرب.
التأجيل ليس كسلاً..
هو إرهاقٌ طويل الأمد..
هو نتيجة أعوام من الخيبات الصغيرة، من محاولات لم تُكافأ، من أمل تعلّم أن يخفض صوته كي لا يُجرح.
لكن الحقيقة القاسية هي هذه:
ليس كل ما نؤجّله سنعود إليه أحياء.
بعض الأحلام تموت لأنها انتظرت أكثر مما يجب.
وبعض القلوب تبهت لأنها صدّقت أن الوقت مضمون.
الحياة لا تُعاش لاحقاً..
ولا تُمنَح كمكافأة للصابرين.
هي تحدث الآن، في اللحظة غير المثالية، في الظروف الناقصة، في الخوف ذاته.
أن نعيش لا يعني أن نكون مستعدين، بل أن نكفّ عن تأجيل أنفسنا.

نرمين الخنسا