يعتبر معظمنا ان الغرب يردّ الآن إلينا بضاعتنا متفوّقا علينا.
يحثّنا الغرب على الاكتفاء ببديهيات الأعمال لعلّه يبقينا تابعين له نستخدم وسائله التكنولوجية الحديثة.
حظي معظم العرب بجانب من الاستقلالية السياسية وتوسّل سلاح الغرب من أجل نزاعات عبثية. وفي معزل عن النفط، يفتقر العرب إلى المواد الخام فتتعزز تبعيتهم. وجاء التأميم في غمر تجنّب شعوبنا العمل اليدوي «الشائن» في رأيهم وكذلك شيء من الاسترخاء والتأجيل وسائر المعليشيات التي فصلتها في كتابي عن «المعليشية» الصادر عام ١٩٧٢.
تهافت عرب اليوم على الوظائف المكتبية فتفاقم وضع الأمة شطر الاتكالية والوهن والعبودية ان لم يكن سياسيا فاقتصاديا. لا مختبرات أو مدارس فلسفية لديهم في معزل عن الضوابط العقائدية أو الأوهام.
يستعملون الآلات ولا يصنعونها، وحتى مصطلحاتهم ناقصة ولا روح نقدية لديهم ولا من يحزنون. لقد ابتكروا النواعير والملاقيف وقنوات المياه، وتفوّقوا في بناء السفن والحياكة ونسج السجاد وما إليها وتوقف التاريخ هنا ولم توزع الثروات بالتساوي في غمر شعارات فارغة. اعتادوا الراحة بعد ان كانوا يتمتعون ببنية صلبة متينة لا يهمّها حر الصيف وقرّ الشتاء. يسعون اليوم وراء الوظائف مهما بلغت صغارتها وحقارة راتبها، في حين يصابون بالهزال أو البدانة.
يحتاج العرب إلى أناس يشمرون عن سواعد مفتولة عزما وقوة تحويلا للمادة الخرساء. ونرى ان المقتدرين بينهم يسعون لتمضية أطول وقت في تنميق أنفسهم: فتيات يسترجلن وشباب يتخنثون وكهول يتصابون، وما زالوا يكبرون من يشغل وظيفة كذا ومنصبا كذا أو يحمل لقبا ما، من غير أن يقيموا وزنا لعامل أو صانع يكد النهار وشطرا من الليل ويجد طوال نهاره تحت أشعة الشمس المحرقة.
أما في بلاد الغرب، فيكدّون ويخترعون في جو ليس كجو العرب إلهاما ويزرعون ويحصدون في أراضٍ ليست كأرض العرب خصبا وطيبا. ينشئون الشركات الضخمة ويأتون إلى دنيا العرب يستخرجون كنوزهم الدفينة، والعرب عن ذلك لاهون ساهون يتهافتون وراء الوظائف الشكلية والألقاب الفارغة.
أين وزارة التربية عندنا لحل هذه الإشكاليات؟ أين الثقافة تحلّ محل التعلّم؟ أين وزارة الشباب التي تقودهم من حيث لا تدري إلى الهجرة أو البطالة وهذه أم العيوب ورأس الرذائل. في العمل الناجع المطلوب منها أولا، أقلّه، حركة للدم ونشاط للجسم وكسب مشروع لجيوب الناس الفارغة!
كفى ما نشهده عند معنيين غير معنيين ممن يجلسون إلى مناضد مكاتبهم لئلا يقوموا بأي عمل مجدي، يحصون الأيام المتبقية لانتهاء الشهر أو يعدّون العدة للارتشاء و«التشاوف» الأجوف!
أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه