أخيرا عدت إلى البيت، بعد غياب طويل إستغرق طوال أشهر الحرب. وكان القصف الإسرائيلي، قد طال بيروت. كانت زيارة تفقّدية على جاري العادة للوقوف على الأطلال وتفقّد المنازل، بعد سكوت المسيّرات والطائرات، وهمود رشقات الصواريخ التي كانت تستهدف الأحياء والمحال والشقق السكنية.
صعدت ماشيا، لتفقّد البيت في الطابق السابع، بعد أن قرأت على باب المصعد: كلمة واحدة: «تحذير، لا تستعملوا المصعد». إستجبت للدعوة وتسلقت الدرج على مهل، وعند وصولي إلى الدرجات المؤدية إلى الباب، سمعت نباح كلب من داخل الشقة السكنية المقابلة. كانت حقا أولى مفاجآتي، غير أني لم أقرع الباب للإستفهام والإستفسار، ما دمت قد تركت البيت منذ أشهر، فأدرت ظهري، ودخلت إلى البيت، فتوقف الكلب عن النباح، «فحمدت الله أنه مسخ كلبا وكفاني منه حربا». وعرفت فيما بعد، أنه كان يؤدي مهام الحراسة على المدخل، وأن كثيرا من الأهالي، أدخلوا الكلاب إلى بيوتهم لحراستها، في غيابهم.
إطمأننت، إلى حالة الجدران والشبابيك والفرندة والكوردور والمطبخ والحمام وغرف النوم، تأكدت أنها جميعها سليمة، ولم تصب بأي أذى.
كانت مفاجأتي الثانية، في داخل الشقة المهجورة حقا: مئات الصراصير الميتة، في جميع الغرف المفتوحة على بعضها. لم أجد صرصارا واحدا يتحرك، لأتحمّل مسؤوليته، هدأت للفور، ودعوت نفسي للتماسك من هول المشهد، تفقّدت الخزائن و الحنفيات والبلاليع، وجميع الأغراض، كلها على حالها. إطمأننت إلى الأسرّة والمكتبة والبراد والتلفزيون والهاتف، كل شيء في محله، لم يتأثر بقوة الضربة التي إستهدف بها العدو الإسرائيلي البناية المجاورة. فلا مسروق ولا محروق، ولا غرف غرقى، حملت مفاتيح السطح وخرجت للإطمئنان على ألواح الطاقة الشمسية وخزان الماء والأنابيب المتصلة به. غير أن المفاجأة، ويا للأسف، لم تأتِ من جهة العدو، بل من جهة الجار.
وضع جاري على سطح غرفة النوم خزان ماء بسعة خمسة آلاف ليتر دفعة واحدة. إستغل الفوضى القائمة في العاصمة، إحتل حقا سطح الغرفة بلا إستئذان ولا رخصة من البلدية. كان ذلك صادما لي. نظرت إلى البناية المستهدفة، وقلت في نفسي مرددا قول الشاعر: «وبعض الشر أهون من بعض».
كانت «هدية الجار»، قاسية على نفسي حقا. هرعت فنزلت عن السطح. كنت أقيس مصيبة الجيران الآخرين، بمصيبتي، فوجدتهم أعظم مني مصيبة. فشدّدت على وجعي، وأقفلت الباب على كل مشاهداتي المؤلمة. لم أحدث بها أحدا من الجيران، ولم أستفسر من الجار الأول عن هدية الكلب، كذلك لم أستفسر من الجار الثاني، عن هدية الخزان بسعة حوض عظيم من الماء. وحدها البناية المغدورة، وكذلك الصراصير التي قتلها الجوع، لمما كان يضغط على قلبي. تعذبت لذلك فقط، دون غيرها من الأسباب التي كانت توجعني وتغدر بي.
شيئا فشيئا، كنت أستعيد ذاكرتي، وكنت أستعيد أيام الحرب، والصواريخ تتهاوى على اللبنانيين في الطرقات وفي الدور وفي الحقول. وبعد الإعلان عن «وقف إطلاق النار»، عادوا لتفقّد أرزاقهم: البيوت مهدّمة، والكروم يابسة، والمزارع نافقة. وأما العدو فقد «أهدانا» خمسة مراكز مراقبة ثابتة على التلال الخمس في الجنوب. وكلّف مسيّراته وطائراته بالنباح علينا في كل مكان، طوال الوقت، في الليل والنهار، حتى في سماء العاصمة بيروت. ولم يأبه لعنفوانه وجبروته، لمشاعر المشيّعين، وهو يدفع بسرب من طائراته، فوق رؤوسهم. فكان المسؤولون أمثالي، يرون بأمّ أعينهم، ويشدّون على أوجاعهم، وهم يقولون مثلي: «وبعض الشر، أهون من بعض».
كنت أتحدث عن زيارتي للبيت، أمام عائلتي، ونحن نرى مشاهد إستقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، للرئيس الأوكراني زيلينسكي، في البيت الأبيض. كنت أرى بعيني بعض مشاهد الشجار الساخن. وكنت أحسبه نوعا من الشجار العائلي الساخن. سمعت بأذني، أن الرئيس ترامب، يطالب بأسترجاع الهدايا الأميركية من زيلينسكي، التي أتحفه بها سلفه الرئيس جو بايدن. وكنت أرى بأمّ عيني، كيف يوبخه ويحقّره، بحضور نائبه. خشيت مرات عدة، أن يناله بصفعة. كان غضبه عليه قاسيا. كنت أرى زيلينسكي، كيف يتماسك أمامه، وكيف يدفع غضبه عليه بالتي هي أحسن. قالوا: إنه خرج من البيت الأبيض متعثّرا من شدّة وقع الإهانات عليه، وحملني شرودي معه، على التخيّل، إنه كان يردد مثلي: «وبعض الشر أهون من بعض».
حقا أعطاني الرئيس الأوكراني زيلينسكي، طاقة قوية. خرج من البيت الأبيض رابط الجأش، وفي عينيه جميع الهدايا المالية وغير المالية، التي أهدته إياها الأخت الكبرى، بل الأخت العظمى، الولايات المتحدة الأميركية. وهو اليوم يجلس مبتئسا حزينا مثلي، كمن في موقف حرج للغاية: يحدث نفسه، كيف يدفع الأذى عن نفسه. وهل يظل ينشد في سرّه: «وبعض الشرّ أهون من بعض». خصوصا، وهو يرى إلى الرئيس الأميركي العازم على المعادن الثمينة.
هدية الجار، مثل الأكمة خلف الدار. وقديما كانوا يقولون في الأمثال لنا: «إن وراء الأكمة ما ورائها».
فماذا تخبئ الأقدار لنا؟ هل يكون مصير أوكرانيا، كمصير غزة أو كمصير جنوب لبنان، أو كهدية الجار لي على سطح الدار، أو خلف باب الدار؟
تلك لعمري هي المسألة!